كان عمّي قد خرج للتو من السجن، فأدارت العائلة كلّها ظهورها له، كأنّه لم يكن يومًا واحدًا منهم
وقال بصوتٍ خافت
الآن ستفهم لماذا تُزرع بعض البذور في صمت.
اتبعتُ نظره نحو السياج.
هناك تحت شمس الظهيرة، كانت تقف سيّارة سوداء.
عرفتُها فورًا سيّارة ابن عمّي رعد.
وشعرتُ بشيءٍ ينقبض في صدري.
لأنّ رعد
لم يكن يأتي أبدًا بدافع المودّة لم يأتِ ليبارك
بل جاء من أجل شيءٍ آخر
لم يكن وحده كان يقف بجانبه رجلٌ يحمل حقيبة أوراق.
محامٍ.
لم ننتظر طويلًا.
فتح رعد باب السيّارة ونزل بهدوءٍ غير معتاد، يرتدي قميصًا مكويًا بعناية، وخلفه رجل يحمل حقيبة أوراق. تقدّما نحونا بخطواتٍ محسوبة، لا استعجال فيها ولا تردّد.
توقّفت يد عمّي حسّون عن ترتيب الصناديق، لكنّه لم يتحرّك من مكانه.
قال رعد بعد أن وقف أمامنا كيف حالكم؟
ثم أشار إلى الرجل بجانبه وأضاف هذا
فتح المحامي حقيبته بهدوء، وأخرج بعض الأوراق، وقال بنبرةٍ رسمية نحن هنا بخصوص الأرض هناك حقّ عائلي لم يُسوَّ بعد.
شعرتُ بأنّ الهواء قد ثقل فجأة.
نظرتُ إلى عمّي، فوجدته كما هو؛ هادئًا، لا ينكر ولا يتوتّر، بل يراقب في صمت.
تقدّم خطوةً واحدة وقال تفضّلوا لنجلس ونتحدّث.
جلسنا في الفناء، على الطاولة نفسها التي كنّا نأكل عليها قبل أيام في الظلام.
وضع المحامي الأوراق وبدأ يشرح أسماء، تواريخ، صلات قرابة، واحتمالات مطالبة.
كان كلامه مرتبًا ومنطقيًا لكنه بارد.
وحين انتهى، ساد صمتٌ قصير.
مدّ عمّي يده وسحب ملفًا من جانبه، الملف نفسه الذي سلّمني إيّاه صباح ذلك اليوم.
فتحه بهدوء، وأخرج منه بعض الأوراق، ثم دفعها نحو المحامي قائلًا
أخذ المحامي يقرأ صفحةً تلو الأخرى، وتبدّلت ملامحه قليلًا.
ثم أعاد ترتيب الأوراق، ونظر إلى رعد قبل أن يقول الأرض مسجّلة قانونيًا، وقد تمّ نقل الملكية بعقودٍ سليمة، ولا يوجد طعن مباشر عليها.
سكت رعد لحظة.
ثم قال لكنّها أرض العائلة.
رفع عمّي عينيه إليه وقال بهدوء كانت.
ثم أضاف دون أن يغيّر نبرته حين كانت مهجورة ولم يسأل عنها أحد، كانت تضيع. يومها عملتُ فيها، وسدّدت ما عليها، وأخذتها خطوةً بعد خطوة. لم يكن أحد يريدها في ذلك الوقت.
لم يكن في صوته تحدٍّ بل حقيقة خالصة.
نظر رعد إلى الأرض، ثم إلينا، وكأنّه يعيد حساباته.
قال المحامي بهدوء إن كانت هناك رغبة في تسويةٍ ودّية، يمكننا مناقشة الأمر، أمّا من الناحية القانونية
لم يعلّق عمّي كثيرًا.
قال ببساطة من أراد أن يعمل فالمكان مفتوح، والرزق هنا موجود لكن له طريقه.
لم تكن دعوةً صريحة ولا رفضًا قاطعًا بل شيء بينهما.
نظر رعد إليه طويلًا.
ثم أغلق المحامي حقيبته.
وقفا دون ضجيج دون شجار ودون كلماتٍ زائدة.
لكنّ شيئًا ما كان قد حُسم.
تحرّك رعد نحو سيّارته، وتوقّف لحظة قبل أن يقول دون أن يلتفت سنرى.
ثم ركب وغادر.
وقفتُ أراقب السيّارة وهي تبتعد وشعرتُ بأنّ الأرض تحت قدمي لم تعد كما كانت.
التفتُّ إلى عمّي حسّون.
كان قد عاد إلى ترتيب صناديق العسل يكمل عمله كأنّ شيئًا لم يحدث.
لكنّي هذه المرّة فهمت.
فهمتُ لماذا كان صامتًا كلّ تلك السنوات.
ولماذا لم يكن الصمت ضعفًا أبدًا.
وفي تلك اللحظة
أدركتُ أنّ
بل بداية حياة.