كان عمّي قد خرج للتو من السجن، فأدارت العائلة كلّها ظهورها له، كأنّه لم يكن يومًا واحدًا منهم

لمحة نيوز


إليّ عمّي أخيرًا، وقال ببساطة
هذا ما كنتُ أزرعه.
لم أعرف كيف أستوعب الأمر، فضحكتُ من شدّة الدهشة وعدم التصديق
ماذا تقصد بما كنتَ تزرعه؟! من أين جاء كلّ هذا؟
تقدّم بضع خطوات نحو أوّل صفٍ من الأشجار، ومدّ يده يلامس الأوراق برفقٍ غريب، كأنّه يلمس شيئًا عزيزًا عليه.
قال بهدوء
عندما خرجتُ من السجن، كنتُ أعلم أنّ أحدًا لن يثق بي حتى لو بعلبة ماء. كانت أمّك الوحيدة التي فتحت لي الباب. ولم أستطع ردّ ذلك بالكلام كنتُ أكبر من الاعتذار فقط. فبحثتُ عن طريقٍ آخر.
انحنى، وأخذ حفنة من التراب، ثم فتح كفّه أمامي.
هذه الأرض كانت قاحلة منذ سنوات. لم يُرِدها أحد، لأنّها لا تصلح لزراعة القمح، ومالكها سافر شمالًا ومات هناك دون أن يعود. بقيت مهملة، محلّ نزاع. كنت أعرف ابنه، فتوصلتُ إليه. عرضتُ عليه أن أعمل في الأرض مقابل جزءٍ منها وأشتري الباقي بالتدريج.
نظرتُ إليه بذهول
تشتري؟ بأيّ مال؟
ابتسم ابتسامةً جانبية
بما جمعته من الأعمال البسيطة بحمل الأكياس، وإصلاح الأسوار، وبما ادّخرته من خياطة الأكياس وصنع بعض الأثاث. كنتُ أعمل، وأدّخر، وأبني بينما كنتَ تظنّ أنّني أزرع الفلفل خلف البيت فقط.
تجمّدتُ مكاني.
ليس لأنّ كلّ شيء أصبح منطقيًا فجأة بل لأنّني أدركتُ كم من الأشياء لم أكن أريد أن أراها.
واصل عمّي السير، وتبعته كأنّي في حلم.
أراني خلايا النحل قال إنّها موجودة

منذ أربعة عشر عامًا، وإنّه يبيع العسل بالفعل لمتجرين في مركز المحافظة. أراني أشجار الليمون المطعّمة، وأشجار الأفوكادو الصغيرة، ومضخّة ماءٍ موصولة بخزّانٍ مدفون. ثم دخلنا إلى المبنى أكياس مرتّبة، مرطبانات عليها ملصقات، طاولة تعبئة، ودفتر حسابات منظّم بدقّة.
كان كلّ شيء يعمل.
صغيرًا نعم.
صامتًا نعم.
لكنّه يعمل.
قال وهو ينظر حوله
لم أخبرك بشيء لأنّ أهل البلدة لا يصمتون. ولأنّي تعلّمت هناك درسًا الخطط تنجح حين لا يعرقلها أحد. كانت أمّك تعلم ليس كلّ شيء، لكن ما يكفي. لذلك لم تسألني حين كنتُ أغادر.
شعرتُ بوخزة في صدري.
أمّي كانت تعلم؟
أومأ برأسه
كانت تعلم أنّني أفعل شيئًا لأترك لكم شيئًا قبل أن أموت. والباقي كانت تخمّنه، كما تفعل النساء اللواتي يصنعن وجبةً كاملة من حبّتي طماطم وقليلٍ من النيّة الطيّبة.
استندتُ إلى إطار الباب، فقد شعرتُ بأنّ ساقيّ لم تعودا تحملانني كما يجب.
قلتُ بصوتٍ متقطّع
إذًا لماذا ما زلنا نعاني؟ لماذا لا نستخدم كلّ هذا؟
تغيّرت ملامحه، وصار أكثر جدّية.
مدّ يده إلى رفٍ علوي، وأخرج ملفًا، ثم وضعه بين يديّ.
فتحتُه
فوجدتُ داخله صكوك ملكيّة، وعقودًا، وإيصالات، وتصاريح استغلال، واتفاقية شراكة بسيطة
وفوق كلّ ذلك
ورقةً موقّعة منه ومن أمّي.
قرأتُ اسمي
ثم قرأتُه مرّةً أخرى، كأنّني أحاول أن أُقنع نفسي أنّه حقيقي.
لم تكن وصيّة بل
عقدًا.
نصف الأرض ونصف المشروع، الحاضر منه والمستقبل مسجّلٌ باسمي بالفعل.
رفعتُ رأسي ببطء.
قال عمّي حسّون بصوتٍ هادئ، لكنّه هذه المرّة كان ممتلئًا بثقةٍ لا تقبل الشك
لم أرد أن ألمسها من قبل كانت لا تزال تنمو. لو استعجلناها وهي طرية، لكنا خسرناها وربما خسرنا أنفسنا معها. أمّا الآن فقد اشتدّت. هي ليست كبيرة، لكنّها تُعطي. وإذا أحسنتَ رعايتها خلال ثلاث سنوات، ستكفيك أنت وأمّك ومن سيأتي بعدك.
نظرتُ إليه
لكن الكلمات لم تأتِ.
كلّ الغضب الذي كان يشتعل في صدري الليلة الماضية ذاب فجأة، وتحول إلى خجلٍ حادّ مؤلم.
خجل لم أعرف كيف أهرب منه.
بعد صمتٍ طويل، سألت
لماذا أنا؟
أطلق عمّي زفيرًا بطيئًا، ثم قال
لأنّ أمّك أنقذتني مرّتين. الأولى حين فتحت لي الباب والثانية حين لم تسمح لك أن تصبح نسخةً من مرارة بقيّة العائلة. ولأنّك رغم غضبك منّي لست رجلًا كسولًا. أنت متعب فقط وهناك فرق.
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ أخفض
وأيضًا لا أريد أن يُذكر اسمي بذلك اليوم الذي دمّرتُ فيه حياة إنسان. أريد، حين أموت أن يبقى شيءٌ واحدٌ طيّب ينمو في المكان الذي وضعتُ فيه يدي.
لم أستطع أن أنظر إليه أكثر.
أدرتُ وجهي
نظرتُ حولي من جديد
الشتلات
خلايا النحل
الشمس التي بدأت بالكاد تُشرق خلف التلال
والماء النقي الذي ينساب بهدوء عبر خرطومٍ أسود إلى الأخاديد
كلّ هذا
كان يحدث منذ سنوات.
بدون
أن نعلم.
بدون أن أعرف أنا.
تذكّرتُ أقاربنا
تذكّرتُ كلماتهم
تذكّرتُ نفسي وأنا أصرخ بسبب نباتات.
وشعرتُ أنّني صغير. صغير جدًّا.
قلتُ بصوتٍ خافت، يكاد لا يُسمع
سامحني
ابتسم عمّي حسّون ابتسامةً خفيفة، فيها حزنٌ وطمأنينة في آنٍ واحد، وقال
لا تقلها لي أثبتها. تعلّم وابدأ.
ضحكتُ لكن ضحكتي انكسرت في منتصفها، كأنّها لم تكتمل.
في ذلك اليوم، عدنا إلى البيت بسيّارةٍ صغيرة استعرناها من أحد الجيران، محمّلة بصناديق العسل، والليمون، والنعناع، وكيسين صغيرين من البصل الأحمر.
كانت أمّي، أم علي، تنتظر عند الباب، ترتدي مئزرها.
وحين رأت وجهي فهمت.
لم تقل شيئًا.
تقدّمت نحو عمّي أوّلًا، واحتضنته كما احتضنته يوم عاد من السجن
ثم احتضنتني..
وفي ذلك اليوم ولأوّل مرّة منذ شهور، جلسنا إلى المائدة دون أن نشعر أنّها تضيق بنا.
لكنّ المفاجأة الحقيقية جاءت بعد ثلاثة أيّام.
بمجرّد أن بدأنا نقل البضائع، وبدأ الطلب يظهر
ظهرت العائلة.
نفس العائلة التي أدارت ظهورها لنا لسنوات.
جاؤوا فجأة وكأنّ المودّة يمكن أن تنبت مثل النعناع بعد المطر.
في البداية، جاءت عمّتي تحمل خبزًا حلوًا للسلام فقط.
ثم عرض أحد الأقارب المساعدة في التسويق.
ثم قال آخر إنّه يتذكّر الأرض جيّدًا وأنّها في الحقيقة كانت دائمًا من حقّ العائلة.
راقبتُهم
هذه المرّة لم أغضب.
فهمت.
نظرتُ إلى عمّي حسّون فوجدته كما
هو.
هادئًا لا يسخر ولا ينفعل
فقط يعمل.
اقترب منّي، وهو يرتّب صناديق العسل في الفناء،
 

تم نسخ الرابط