وقف في آخر القاعة ببدلة مستعارة… لكن الحقيقة التي كشفها الأستاذ صدمت الجميع!
المحتويات
لا يمنحها لأحدٍ غيره
أشعر بالخوف أشعر أنني لن أقدر أشعر أن كل هذا أكبر مني.
ولم يكن هيكتور يجمّل الحقيقة أو يسكب عليه الكلمات الناعمة فقط ليهدّئه مؤقتًا. لم يكن رجل شعارات. كان رجلًا يعرف الحياة كما تُعرَف من الاحتكاك المباشر، من الوقوف على السقالات، من حمل الأثقال، من احتمال الألم لأن العمل لا ينتظر ضعف أحد. لذلك كان يردّ دائمًا ببساطته الحادة
إذًا افعله وأنت خائف.
لكنني مرهق.
افعله وأنت مرهق.
أشعر أنني قد أنكسر.
لا بأس افعله حتى وأنت على وشك الانكسار. الشجاعة ليست ألّا تخاف، الشجاعة أن تُكمل رغم خوفك.
كانت تلك الكلمات، على بساطتها، تدخل إلى ماتيو كأنها مسامير تثبّت شيئًا داخله حتى لا يتداعى. لم تكن فلسفةً جامعية، ولا لغةً أدبية، لكنها كانت خلاصة رجلٍ تعلّم أن الحياة لا تنتظر
وخلال سنوات البحث، لم تكن الأيام رحيمة. كانت هناك ليالٍ طويلة ينام فيها على مكتبه، وأخرى يحدّق فيها في الأوراق دون أن يقرأ سطرًا واحدًا من شدة القلق. كانت هناك ملاحظات قاسية من المشرفين، وتأجيلات، وتصحيحات لا تنتهي، وقلقٌ دائم من نقص المال، وألمٌ خفي من شعورٍ لا يفارقه بأنه ما زال دخيلًا على هذا العالم، مهما اجتهد، ومهما تفوّق، ومهما أثبت نفسه. كان يرى من حوله من يدخلون القاعات بثقة من وُلدوا وهم يعرفون الطريق، بينما هو كان لا يزال يشعر أحيانًا بأنه الطفل القادم من بلدةٍ مغبرة، الذي يحمل في حقيبته أكثر من كتاب يحمل أصلًا كاملًا من التعب والحرمان والرجاء.
وفي إحدى المرات، أرسلت له إلينا صورةً عبر الهاتف. كانت الصورة بسيطة جدًا هيكتور واقف في فناء البيت، منحنٍ قليلًا، يصلح سياجًا مكسورًا حتى لا تهرب الدجاجات. كان يمسك المطرقة كعادته، بكامل تركيزه، كما لو أن إصلاح ذلك السياج مسألة كبرى لا تحتمل الإهمال. وتحت الصورة كتبت له إلينا
قال لك استمرّ في عملك، فالأبواب لا تُفتح وحدها.
قرأ ماتيو الرسالة أكثر من مرة. ثم طبع الصورة وثبّتها فوق مكتبه. ومنذ ذلك اليوم، كلما شعر بالإنهاك، رفع عينيه إلى تلك الصورة. لم يكن يرى فيها مجرد رجلٍ يصلح سياجًا، بل كان يرى حياته كلّها رجلًا ظلّ طوال عمره يصلح ما يتصدّع، ويسند ما يميل، ويمنع ما يحب من الانفلات.
وحين تحدد أخيرًا موعد مناقشة الأطروحة، وكان ذلك قبيل عيد الميلاد، اتصل بوالدته ليخبرها. بكت إلينا
في أي يوم؟
ضحك ماتيو رغم توتره، وقال له التاريخ. ثم حاول أن يثنيه عن الحضور. قال له إن السفر سيكون متعبًا، وإن المدينة مزدحمة، وإنه يعرف كم يكره الزحام والطرقات الطويلة والمبيت بعيدًا عن البيت. لكنه لم يتوقع أن يأتيه الجواب بتلك البساطة التي كسرت قلبه من شدّة صدقها
أنا أكره المدن حين أكون وحدي لا حين أذهب لأرى ابني يصبح دكتورًا.
وصل هيكتور قبل الموعد بيومين. جاء ببدلةٍ مستعارة بعناية، وبحذاء لامع أكثر مما ينبغي، وكان واضحًا أنه لا يشعر بالراحة في تلك الملابس، كأنها لا تشبهه، أو كأنها تحاول أن تضعه في هيئةٍ أخرى لا يحتاجها أصلًا. ومع ذلك لبسها. لا ليبدو مهمًا أمام أحد، بل لأن المناسبة مهمة عنده، لأن
متابعة القراءة