صعدوا بالأم إلى القطار وتركوا صغيرها خلفهم… لكن ما فعله الجرو أوقف الجميع!

لمحة نيوز

كان القطار قد بدأ يتحرك بالفعل، وكانت هي عالقة عند الباب. كان رباط قصير يضغط على عنقها، فلم تكن تستطيع النزول، ولم تكن تستطيع الهرب. كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، لكنها لم تكن تنظر إلى الأمام، بل كانت تنظر إلى الخلف، بثبات ويأس، كما لو أن شيئًا مهمًّا كان يُترك وراءها. وعندها رآه أحدهم جرو صغير يركض بين القضبان.
كانت قوائمه تنزلق على الحصى. يسقط، ثم ينهض، ثم يعود إلى الركض من غير أن يتوقف، يتبع القطار، ويتبع أمه. لكن كان هناك شيء غريب. لم يكن يهرب، ولم يكن يلعب، بل كان يلاحقها. والأكثر صدمة أنه لم يكن يستسلم. وما فعله ذلك الجرو بعد ذلك لم يوقف القطار فحسب، بل جعل الجميع يلوذون بالصمت. كانت الريح تضرب وجه الكلبة. وكان ضجيج القطار يملأ كل شيء، لكنها لم تكن تستجيب لشيء، لا للحركة، ولا للناس، ولا للصوت.
كانت تنظر فقط إلى الخلف بعينين مفتوحتين، بقلق لا يبدو طبيعيًّا. لم يكن ذلك صوتًا عاديًّا، بل كان نداءً، نداءً لا يمكن تجاهله، نداءً يأتي من أعماق بعيدة. وفي تلك اللحظة بدأ الركاب يدركون أن شيئًا ما ليس على ما يرام. رجل ترك هاتفه، وامرأة عقدت حاجبيها، وطفل التصق بالزجاج، لأن الجرو هناك في الخلف، بين الحجارة والغبار، كان لا يزال يركض.
بدأ القطار يزداد سرعة. شيئًا فشيئًا، من غير أن يتوقف، ومن غير أن يتردد، وكان الجرو لا يزال وراءه. كانت قوائمه صغيرة ومضطربة، تضرب الأرض من غير قوة. كانت تخونه أحيانًا، وأحيانًا تغوص في الأرض. لكن ذلك لم يكن الأسوأ. ففي لحظة ما تعثر، فسقط على جانبه، وتدحرج فوق الحصى، وبقي ساكنًا لثانية واحدة، وداخل العربة توقف

كل شيء. لم يتكلم أحد، ولم يتنفس أحد. ظنوا أن الأمر انتهى عند هذا الحد، وأنه لن ينهض ثانية، لكنه تحرك ببطء، مرتجفًا، واستند إلى نفسه بما استطاع، ثم عاد إلى الوقوف، وعاد إلى الركض.
لقد تبدل شيء داخل القطار. لم يعد الأمر مجرد فضول، بل صار انزعاجًا، وصار توترًا، وصار ذلك الإحساس الذي يضغط على الصدر، إحساس أن ترى شيئًا ظالمًا يحدث أمامك ولا تفعل شيئًا. شاب أنزل هاتفه، وسيدة أغمضت عينيها. أما الطفل فكان يضرب الزجاج بيده كأنه يستطيع أن يساعد، لكن أحدًا لم يتحرك، وهي كانت لا تزال تنظر من غير أن تصرف بصرها، ومن غير أن تستسلم، وكأنها تعرف أن تلك اللحظة ستقرر كل شيء. لم يكن الجرو يركض عبثًا، وقد أصبح ذلك واضحًا.
لم يكن ينحرف عن الطريق، ولم يكن يتردد، ولم يكن ينظر إلى الجانبين، بل كان يتقدم فقط، كأن له غاية واحدة لا غير أن يصل. وفي تلك اللحظة قال أحدهم بصوت خافت شيئًا لم يجبه عليه أحد
لن يدركه.
شدّت الكلبة الرباط مرة، ثم مرة أخرى بقوة أكبر. ضغط الطوق على عنقها، وقطع عنها النفس، لكنها لم تتوقف. شدّت مرة أخرى. وهذه المرة تحرك شيء ما. قليلًا جدًا، لكنه تحرك. اهتز القطار مرة أخرى، وتسارع أكثر.
ازداد الضجيج. صارت الحجارة ضبابية، واتسعت المسافة، لكن ذلك لم يكن الأسوأ. لقد غيّر الجرو اتجاهه، وخرج من الخط المستقيم، وسلك جانبًا أكثر خطورة، حيث كانت الأرض رخوة، وحيث كان السقوط أسهل، لكنه أقصر وأكثر مباشرة وأكثر مجازفة، كما لو أنه أدرك شيئًا، كما لو أنه عرف أن الوقت بدأ ينفد. كان تنفسه ثقيلًا، قصيرًا، مضطربًا. ولم تعد قوائمه تستجيب كما كانت، لكنه واصل الركض
من غير أن يتوقف، ومن غير أن ينظر إلى الخلف، ومن غير أن يستسلم.
داخل القطار صار الصمت خانقًا. لم يُرِد أحد أن يقولها، لكن الجميع كانوا يفكرون في الأمر نفسه. إن لم يتوقف هذا الجرو، فسيحدث شيء ما. شدّت الكلبة الرباط من جديد بكل ما بقي لديها من قوة. ارتجف جسدها، وتصلبت قوائمها، وأعطى الطوق قليلًا هذه المرة، وفي تلك اللحظة ظهر الجرو أقرب، أقرب بكثير. ولثانية واحدة بدا الأمر ممكنًا، لكن القطار عاد إلى التسارع، واتسعت المسافة مرة أخرى.
لم يكن أحد مستعدًّا لما سيحدث بعد ذلك، لأنه في تلك اللحظة قرر أحد الموجودين داخل القطار أخيرًا أن يتدخل، وهذا القرار كان سيغير كل شيء. اختفى الجرو لثانية واحدة، وشعرت تلك الثانية وكأنها أبدية. لم يتنفس أحد، ولم يتكلم أحد، حتى ظهر من جديد. لكن كان هناك شيء غير صحيح. لم يعد يركض كما كان. صارت قوائمه تخونه أكثر. وأخذ جسده يميل إلى أحد الجانبين. وانخفضت سرعته، ومع ذلك واصل. وهذا هو ما غيّر كل شيء، لأنه لم يعد مجرد مشهد حزين، بل صار سباقًا مع الزمن، والزمن كان ينتصر عليه.
داخل القطار نهض عدة ركاب في الوقت نفسه. لم يعودوا يريدون أن يشاهدوا وهم جالسون، بل أرادوا أن يفهموا، وأن يفعلوا شيئًا، حتى لو لم يعرفوا ماذا. اقترب رجل من الباب. وغطت امرأة فمها. وكان الطفل يضرب الزجاج بقوة أكبر. ثم سقط الجرو مرة أخرى. وهذه المرة كان سقوطه أسوأ. تدحرج جسده فوق الحجارة. وبقي منبطحًا على بطنه بلا حراك. انطلقت صرخة من داخل العربة.
لقد مات.
قالها أحدهم من غير تفكير، ومن غير قصد، لكن أحدًا لم يصححها، لأن الأمر بدا صحيحًا في تلك اللحظة،
وشعرت لونا بذلك.
تصلب جسدها، وتوقفت قوائمها عن الحركة، واتسعت عيناها أكثر، وأطلقت صوتًا لا يبدو كأنه من هذا العالم. لم يكن نباحًا، ولم يكن عواءً، بل كان شيئًا أعمق، شيئًا جعل الجميع يلتفتون، لأن ذلك الصوت لم يكن يطلب النجدة، بل كان يطالب بشيء ما. وفي تلك اللحظة تحرك الجرو قليلًا جدًا، لكنه تحرك. رفع رأسه، وحاول أن يقف، فأخفق، ثم حاول مرة أخرى، فنهض، وعاد إلى الركض.
وهنا فهم الناس شيئًا. لم يكن ذلك الجرو يهرب من الألم، بل كان يتجاهله، لأن هناك شيئًا أهم، وذلك هو أن يصل إليها. وفي تلك اللحظة نهضت امرأة. لم تتردد ماريسول، ولم تسأل، ولم تنظر إلى أحد. مشت مباشرة نحو الباب، ثم انحنت أمام لونا، ورأت الرباط قصيرًا أكثر مما ينبغي، ضيقًا أكثر مما ينبغي، ومربوطًا على نحو سيئ. لمست أصابعها العقدة، وحاولت أن ترخيها، لكنها لم تستطع. نظرت نحو السكة فرأت الجرو، وتبدل شيء ما في ملامح وجهها.
لم يعد الأمر قلقًا، بل صار قرارًا. نهضت فجأة، وبحثت بعينيها عن مفتش القطار. كان إرنيستو قد رأى المشهد بالفعل، لكنه لم يتحرك. تقدمت ماريسول خطوة ثابتة وقالت
هذا ليس صحيحًا.
ابتلع إرنيستو ريقه.
لا يمكننا إيقاف القطار هنا.
بدا صوته آليًّا، فارغًا.
إنه بروتوكول.
هزت ماريسول رأسها.
هذا ليس بروتوكولًا. هذا خطأ. الجرو لن يحتمل أكثر.
نظر إرنيستو إلى الخارج، وللمرة الأولى لم يردّ فورًا، لأنه هو أيضًا رآه.
لم يعد الجرو يركض كما كان، وكانت المسافة تزداد اتساعًا. سرت همهمة في العربة.
لن يدركه.
لكن لم يكن أحد مستعدًّا لما سيحدث بعد ذلك، لأنه في تلك اللحظة شدّت لونا الرباط مرة
أخرى، وهذه المرة حدث
تم نسخ الرابط