الممرضة محمد عبده
تكملة القصة
تراجعت سلمى خطوة إلى الخلف فجأة لدرجة أن الصينية المعدنية التي كانت في يدها اهتزّت وكادت تسقط.
خرج منها صوت خافت، لكن قلبها كان أعلى كان ينبض بعنف كأنه يحاول أن يهرب من صدرها.
أما كريم الشاذلي
فكان لا يزال ينظر إليها.
عيناه لم تكونا واضحتين بالكامل كان فيهما ضباب ثقيل، كأنه عاد من مكان بعيد جدًا من مكان لا صوت فيه ولا نور.
لكن الحقيقة الوحيدة المؤكدة
أنه مستيقظ.
من أنتِ؟ كررها بصوت متقطع.
شعرت سلمى بأن ساقيها ترتجفان.
حاولت أن تسيطر على نفسها، وقالت بسرعة وهي تتراجع إلى الخلف
من فضلك لا تتحرك سأنادي الطبيب حالًا.
وخرجت من الغرفة تكاد تركض أنفاسها متقطعة، ويدها ترتجف.
خلال أقل من دقيقتين
الغرفة التي كانت صامتة لسنوات تحولت فجأة إلى فوضى.
أطباء ممرضون أجهزة تصدر أصواتًا متتالية وأوامر تُقال بسرعة
هناك استجابة!
الحدقة تتحرك!
بدأ يركّز!
الضغط مستقر!
هذا هذا مستحيل!
كانت سلمى واقفة في الزاوية وجهها شاحب، وعيناها عليه.
لا أحد يعرف ماذا حدث قبل أن يستيقظ
وهي من المستحيل أن تقول.
بعد قليل، خرج طبيب المخ والأعصاب، ووجهه ممتلئ بالصدمة
لقد استيقظ لا نعرف إن كان سيتذكر كل شيء أم لا لكنه استيقظ.
انتشرت الكلمة في المستشفى
كالنار.
مريض غيبوبة منذ سنوات عاد فجأة!
وبعد ساعات قليلة
وصلت زوجته.
داليا الشاذلي.
أنيقة بشكل مبالغ فيه حتى في وسط الأزمة.
وكان وراءها محامون ومعهم سيدة كبيرة معروفة الحاجة نوال، أم كريم.
دخلت داليا أولًا.
وأُغلق الباب.
دقائق وصمت.
وفجأة
صوت ارتطام قوي من الداخل.
ثم صوت كريم.
واضح. قوي. حاد
لا تلمسيني!
فُتح الباب فجأة.
خرجت داليا ووجهها متغير.
هو لا يفهم شيئًا ما زال غير واعٍ.
لكن من الداخل خرج صوته مرة أخرى
أخرجوا هذه المرأة إلى الخارج!
نزل صمت ثقيل على المكان كله.
ورأت سلمى شيئًا لأول مرة
لم يكن خوفًا على زوجها
بل خوفًا منه.
ومن تلك اللحظة
بدأت الحقيقة تتحرك.
في الأيام التالية تحسنت حالة كريم بسرعة غريبة.
لكن الأهم من صحته
ذاكرته.
بدأ يتذكر ليس كل شيء بل أجزاء فقط.
والأغرب من ذلك
أنه كان يرتاح لشخص واحد فقط.
سلمى.
في أحد الأيام، وهو ينظر إليها بهدوء، قال
كنتِ موجودة ليلة استيقظت.
تجمّدت.
نعم.
نظر إليها نظرة أعمق
كنت أسمعك.
توقف قلبها لحظة.
تسمعني؟
كنتِ تتحدثين عن تعبك عن أمك عن أخيك
كنتِ تعاملينني كأنني إنسان.
نزلت دموعها دون أن تشعر.
ولا أحد في المستشفى كان يعرف أنها كانت تتحدث معه هكذا
غيره.
لكن الصدمة الحقيقية
لم تأتِ بعد.
في يوم، وبينما كان صامتًا قليلًا، قال فجأة
الحادث لم يكن حادثًا.
شعرت سلمى بأن الدم انسحب من وجهها.
وقبل أن تسأله
بيومين
كانت تمشي في الممر وسمعت صوتًا يأتي من غرفة مغلقة.
داليا وأم كريم.
وقفت في مكانها.
إذا تذكّر انتهينا
ما دام لا يتذكر الجسر فنحن بأمان
وماذا لو تذكر أن الفرامل كانت معطلة؟
أنتِ من وضعتِ له الدواء!
وأنتِ من ضغطتِ عليه ليخرج!
وضعت سلمى يدها على فمها
الصورة اكتملت في ثانية.
هم حاولوا قتل كريم.
حدثت المواجهة بعد ذلك بيومين.
جمعهم كريم جميعًا في غرفة واحدة.
كان واقفًا هادئًا بشكل مخيف.
أريد أن أرى وجوه الناس الذين دفنوني وأنا حي.
بدأ المحامي يتحدث
هناك تحويلات غير قانونية تزوير وأدوية في دمه ليلة الحادث.
انهارت داليا
كانت تلك فكرتها!
صرخت أم كريم
كنت أحمي المال!
خرجت الكلمة من أم كريم وكأنها تدافع عن نفسها لكن الحقيقة كانت أوضح من أي تبرير.
وفي تلك اللحظة
رفع كريم عينيه ببطء وقال بهدوء مخيف
أنا لست ابنك أصلًا.
نزلت الجملة كالصاعقة.
كان الصمت ثقيلًا لدرجة أن حتى الأنفاس أصبحت مسموعة.
نظرت إليه داليا بصدمة وتجمّدت أمه في مكانها كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
ما الذي تقوله؟! قالتها بصوت مرتجف.
لكن كريم لم يرد
مد يده إلى ملف كان أمامه وفتحه بهدوء.
هذه الرسالة كانت مخفية لسنوات ولم يكن أحد يريدني أن أراها.
نظر حوله ثم أكمل
أبي الحقيقي كتب كل شيء.
بدأ يقرأ وكان صوته ثابتًا
إذا وصلت إليك هذه الرسالة فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا. كريم أنت لست ابني بالدم لكنني اخترتك بنفسي لأنك كنت أنقى من كل من حولك لكن عليك أن تعرف أن هذا البيت لم يكن آمنًا لك يومًا.
كل كلمة كانت تكسر شيئًا داخل الواقفين.
التي تسميها أمك لم ترَك يومًا ابنًا بل رأتك ورقة طريقًا إلى المال وقد حاولت أن أحميك لكنني لم أستطع أن أكمل.
سكت لحظة ثم أغلق الملف.
لذلك حاولتم التخلص مني.
كان الهدوء بعد هذه الجملة أخطر من أي صراخ.
تحدث المحامي بصوت رسمي
الأدلة واضحة تحويلات مالية تلاعب وأدوية أُعطيت له قبل الحادث.
انهارت داليا
أنا أنا كنت خائفة! كل شيء كان سيضيع!
صرخت أم كريم
كنت أحمي ما بنيناه!
ابتسم كريم ابتسامة خفيفة لكنها كانت تحمل وجع سنوات
لا كنتِ تحمين نفسك.
وتركهم وخرج.
بعد أيام
كانت الفضيحة في كل مكان.
فُتحت القضايا وجُمّدت الحسابات وتحولت الأسماء الكبيرة إلى أخبار.
لكن كريم
اختفى.
لم يكن هروبًا
بل بداية.
بداية لحياة لا يوجد فيها أحد يدّعي أنه من عائلته.
أما سلمى
فكانت واقفة أمام غرفته الفارغة.
سرير فارغ أجهزة صامتة مكان كان ممتلئًا بالحكايات بينهما أصبح فجأة لا شيء.
أمسكت طرف السرير ونزلت