حـين عـاد الحـلم للحـياة كـاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز

كان مهزوز كأنه بيكلم جزء من نفسه ضاع منه زمان.
نادية دموعها نزلت وهي مبتسمة
شايف؟ حتى حلمك مستناك
رامي قعد على الأرض، وسند ضهره على شجرة صغيرة.
بص حواليه بتركيز
الجبل اللي كان فاضي بقى مليان حياة.
شجر مية دواجن صوت نور
كل حاجة بتقول له
إنت لسه تقدر تبدأ.
عم عبد الله سأله
طيب ناوي تعمل إيه؟
رامي سكت شوية
بص للسماء وبعدين للأرض
وفجأة ابتسم.
ابتسامة صادقة، طالعة من قلبه.
هنبدأ من جديد بس المرة دي مش زي الأول.
نادية ضحكت وقالت
وأكيد مش هتسيب حلمك تاني.
رامي بص لها وقال
المرة دي أنا اللي مستني الحلم مش هو اللي مستنيني.
الهوا كان بيلعب في شعرهم، وصوت الدواجن حواليهم كأنه موسيقى.
ورامي حس بحاجة رجعت له حاجة كان فاكرها ماتت.
الأمل.
الأيام عدّت
ورامي بدأ يشتغل تاني.
بس المرة دي بعين تانية.
مبقاش شايف المزرعة مجرد شغل
بقى
شايفها حياة.
بقى شايف فيها نفسه
شايف تعب سنين وخطوات كان فاكرها ضاعت لكنها كانت بتتجمع من غيره.
بدأ ينضف المكان بس مش عشان يمسح اللي حصل
بل عشان يكمل عليه.
كان وهو بيشيل الحجارة، أو يصلّح جزء مكسور، أو ينضف الأرض من الزوايد
حاسس إنه مش بيصلّح المكان بس
ده كأنه بيصلّح نفسه كمان.
كل حاجة بيعملها بإيده كانت بترجّع له حتة منه.
سيب جزء من الطبيعة زي ما هو.
وساعد جزء تاني ينمو.
بقى فاهم إن مش لازم يتحكم في كل حاجة.
وإن أوقات أحسن حاجة يعملها إنه يسيب الحياة تمشي بطريقتها.
كان بيصحى بدري قبل الشمس
قبل صوت الناس
قبل الزحمة
ويمشي وسط الدواجن يراقبها يتعلم منها.
كان يقف ساكت يتفرج بس.
يشوف إزاي بتتحرك
إزاي بتدور على أكلها
إزاي بتتجمع وتتفرق وترجع تاني.
أيوه يتعلم.
اتعلم إن الحياة مش لازم تمشي زي ما إحنا عايزين.
وإن أوقات
كتير الحاجة بتكمل من غيرنا.
وإن السيطرة مش دايمًا هي الحل
وإن الصبر بيعمل حاجات إحنا مش شايفينها وقتها.
اتعلم إن اللي بيتبني بهدوء
بيفضل أقوى من اللي بيتبني بسرعة.
وإن الخسارة مش دايمًا نهاية
ممكن تكون بداية بشكل تاني.
ونادية كانت معاه في كل خطوة.
بتضحك تساعد تشجعه
وتفكره دايمًا إنه مش لوحده.
كانت بتفهمه من غير كلام.
تشوف في عينيه التعب فتسكت جنبه.
تشوف فيه الأمل فتكبره.
وفي لحظات كتير
كانت بتبقى السبب إنه يكمل
من غير ما تحس.
وفي يوم
وقف رامي في نفس المكان على الجبل.
بس المرة دي كان مختلف.
مش نفس الشخص اللي كان تايه
ولا اللي كان مكسور
ولا حتى اللي كان بيجري ورا حلم ومش فاهمه.
كان حد وقف وبص وفهم.
حد جرّب الخسارة
وساب
ورجع
وقَبِل
كان حد عرف الطريق.
بص على المزرعة من فوق
وشافها مش مجرد أرض
شافها قصة.
شاف أول خطوة
وأول
تعب
وأول خوف
وشاف الغلطات
وشاف الغياب
وشاف الرجوع
شاف نفسه في كل حتة فيها.
قصة حلم وقع
وقام تاني
بشكل أقوى.
مش لأنه رجع زي ما كان
لكن لأنه اتعلم إزاي يبقى أحسن.
ابتسم وقال لنفسه
مش كل حاجة بتضيع بتبقى مستنية ترجع لها بس.
بس المرة دي كان فاهم الجملة دي بجد.
فاهم إن في حاجات بتفضل واقفة مكانها
مش لأنها ضعيفة
لكن لأنها مؤمنة إنك هترجع.
وفي اللحظة دي فهم حاجة عمره ما كان فاهمها قبل كده
إن الحلم
مش دايمًا بيختفي لما تسيبه
أوقات
هو اللي بيستناك
لحد ما ترجع له تاني.
وساعات
بيكبر من غيرك
علشان لما ترجع
تلاقيه أكبر من اللي كنت بتحلم بيه.
رامي وقف ساكت شوية
الهوا بيعدّي من حواليه
وصوت الحياة طالع من تحت
وكان حاسس لأول مرة
إنه مش محتاج يجري
مش محتاج يثبت حاجة
كفاية إنه وصل.
كفاية إنه فهم.
وكفاية إنه رجع لنفسه.
وبص للمزرعة
مرة أخيرة
وقال بهدوء
المرة دي مش هسيبك.
والشمس بدأت تطلع
بنور جديد
زي بداية جديدة
لشخص اتعلم أخيرًا
إن النهاية
ممكن تكون
بداية.

تم نسخ الرابط