شعر ابني حكايات زهره
إجابة.
وصلنا.
البوليس خبط على الباب
فتحوا.
أمي وقفت قدامنا
ولا رمشة عين.
ولا ارتباك.
ولا حتى محاولة تمثيل.
برود
برود قاتل.
كأن اللي حصل عادي.
أبويا قام من على الكرسي
وسند على عصايته
وبصلي بنظرة كلها احتقار
إيه المهزلة دي؟!
جايب لنا الحكومة يا قليل الأصل؟!
الكلمة دي
قليل الأصل
دخلت في صدري زي سكينة.
بس المرة دي
ما سكتش.
صرخت بصوت طالع من جوا قلبي
أنا قليل الأصل؟!
عشان بسأل ابني شعره جرى له إيه؟!
قربت خطوة
وبصيت في عينيه لأول مرة من غير خوف
ابني
اللي راسه متجرحة
ومړعوپ منكم
عملتوا فيه إيه؟!
أمي ضحكت
ضحكة صفرا
مليانة استهزاء
وقالت بمنتهى البساطة
عملنا إيه يعني؟
كان عمال يعيط ويقول عايز بابا وصداعنا وجعنا!
وقفت لحظة
وبعدين كملت كأنها بتحكي موقف عادي
أبوك
قمنا ربطناه عشان نعلمه إن الراجل ما يعيطش
قلبي وقف.
ربطتوه؟!
بس هي ما وقفتش
وأنا قولت أقص له شعره المسبسب ده عشان ينشف
أصلك معرفتش تربي!
في اللحظة دي
كل حاجة اتكسرت.
مش بس الثقة
مش بس العلاقة
لكن الصورة كلها.
الصورة اللي كنت عايش بيها سنين
إنهم أهلي سندي ظهري
طلعت كذبة.
الضابط دخل الأوضة الجوانية
وأنا واقف مكاني
مش قادر أتحرك
مش قادر أصدق
وفجأة
سمعته بينادي
تعالى شوف يا أستاذ.
دخلت.
واللي شفته
كان أسوأ من أي حاجة تخيلتها.
في ركن الأوضة
كان فيه جنزير صغير
مربوط في رجل السرير.
جنبه
مقص كبير
وعليه آثار دم خفيف.
وقفت
ومشيت خطوة لقدام
ورجلي مش شايلاني.
تخيلت ابني
ابني الصغير
مربوط هنا
بيعيط
بينادي عليا
وأنا مش موجود.
رجعت بصيت لياسين
كان واقف
خايف يدخل
كأن الأوضة دي بقت كابوس.
في القسم
الأخصائية النفسية قعدت معاه
وأنا واقف برا
قلبي بيقع.
كل دقيقة
كانت سنة.
ولما خرجت
قالولي اللي حصل.
قال إنهم كانوا بيحبسوه في الضلمة
وكل ما يصرخ
تيتة تمسكه من شعره
وتشده.
وجده
يضربه بالعصاية
ويقول له
إنت دلوع زي أبوك
ولازم تتربى من أول وجديد.
وقتها
ما حسّتش بنفسي.
كنت واقف
بس جوايا
كان في حاجة بتنهار.
افتكرت نفسي وأنا صغير
نفس الكلام
نفس الجملة
نفس القسوة
بس كنت فاكر إن ده تربية.
كنت فاكر إن ده صح.
بس لما شفتها في ابني
فهمت.
فهمت إن اللي اتكسر فيا
كانوا بيحاولوا يكسروه فيه.
ومشيت في الإجراءات
من غير تردد.
ولا لحظة ضعف.
ولا كلمة دول أهلي.
مرحمتهمش.
ولا صلة الرحم شَفَعت لهم عندي.
لأن اللي يلمس شعرة من
ويطفي الفرحة في عينه
ما يبقاش له مكان في حياتي.
المحضر اتكتب
والقضية اتسجلت
وأبويا وأمي
اتحبسوا على ذمة التحقيق
بتهمة تعذيب طفل
وإحداث إصابات عمدية.
طلعت من القسم
وشايل ياسين في حضني.
حضنته جامد
كأني بعوضه عن كل لحظة خوف.
وهمست له
مفيش مخلوق في الدنيا
هيقرب لك تاني.
رجعنا البيت
البيت اللي بقى آمن.
دخل
وبص حواليه
وبعدين بصلي.
إحنا هنا لوحدنا؟
ابتسمت
وقلت
إحنا هنا في أمان.
قعدت قدامه
وجبت الماكينة
وبدأت أحلق له شعره
زيرو.
عشان الجروح تلم
وعشان يبدأ بداية جديدة.
كان ساكت
بس مركز معايا.
ولما خلصت
بص لنفسه في المراية
وبعدين بصلي.
قمت
وخدت الماكينة
وحلقت شعري زيه بالظبط.
بصلي باستغراب
ليه يا بابا؟
ضحكت
وقلت له
عشان إحنا فريق واحد يا بطل
وإحنا كده أحلى.
ابتسم.
أول ابتسامة حقيقية من يوم اللي حصل.
وفي اللحظة دي
فهمت حاجة مهمة جدًا.
إن البيوت
مش بالحائط ولا بالاسم.
البيوت
بالحنية.
والبيت اللي مفيهوش حنية
ما يبقاش بيت.
يبقى
سجن.