تلت سنين بتعاير حكايات زهرة
تلت سنين وانا بتعاير من حماتي باني ارض بور مبخلفش واليوم اللي اخدت فيه ورقة طلاقي وحريتي عرفت اني حامل في تؤم بس اللي حصل بعدها كان كابوس للكل
أنا اسمي "نسمة".
عشت مع "ياسين" تلات سنين تحت سقف واحد بصفتي مراته.
كنت واهمة نفسي إن حبنا اللي بدأ من أيام الجامعة في "عين شمس" حب ملوش نهاية، وإنه راجل هيشيلني فوق راسه العمر كله.
لحد ما جه اليوم اللي حماتي فيه، "الحاجة سعاد"، رمت قدامي 10 الاف جنيه ومعاها ورقة الطلاق.
"خدي القرشين دول، إمضي وفارقينا بالمعروف.. تلات سنين ولسه مبلتيش ريقنا بـ عيل؟ إحنا عيلة السيوفي م ينفعش نقطع لها خلفة بسببك!"
قالتها بنبرة كلها تعالٍ، كأنها بترميني بلقمة لكلب في الشارع.
و"ياسين".. جوزي وحبيبي.. كان قاعد جنبها.
مفتحش بقه بكلمة.
سكوته ده كان زي "السكينة التلمة" اللي بتدبح في قلبي بالبطيء.. وجعه كان أقوى من سم كلام أمه.
فاكرة كويس إني محاولتش أدافع عن نفسي ولا أقول حرف واحد.
سحبت القلم بكل هدوء، ومضيت اسمي في خانة المطلقة: "نسمة عبد الرحمن".
مضيت وأنا واثقة وفاردة ضهري لدرجة خلتني استغرب نفسي.
مخدتش ولا مليم من الشيك، وخرجت بشنطة هدومي بس.
يوم ما قفلت باب "الفيلّا" ورايا، حسيت إن الهوا بقى أنقى، والسما بقت أوسع.. أخيراً بقيت حرة!
بس الحرية دي مكملتش أسبوعين.. لحد ما شفت ورقة السونار النهاردة:
"حمل توأم.. الأسبوع السادس."
فضلت باصة للورقة دي وعيني بتحرقني من كتر القهر.
يا ربي على سخرية القدر!
تلات سنين بشرب في أعشاب ومرمية
ومستحملة نظرات "الحاجة سعاد" اللي كانت بتقول لي يا "أرض بايرة" ويا "فرخة مابتبيضش".
وكل ده وياسين كان آخره يقول لي: "معلش يا نسمة، أمي نفسها تفرح".. أو "استحملي عشان خاطري يا حبيبتي".
استحملت تلات سنين، وفي الآخر خدت ورقة طلاقي.
تليفوني رن، كانت "مي" صاحبتي.
"نسمة، ها يا روحي قررتي هتاكلي إيه؟ أنا جاية أخدك أفسحك."
رديت بصوت مرعوش:
"مي.. أنا شكلي وقعت في ورطة كبيرة أوي."
بعت لها صورة السونار، مكملتش دقيقة ولقيتها بتكلمني بتصرخ في التليفون:
"يا نهار أبيض! توأم؟
"أيوه."
"طيب ناوية على إيه؟ دي فرصتك يا بنتي ترجعي وتكسري عين الولية دي وتعرفيها إن العيب مكنش منك! دي أقوى ورقة في إيدك!"
سندت راسي على الحيطة الساقعة وحسيت ببرودة في جسمي كله:
"مش عايزة أرجع.. الجوازة دي كانت كابوس وفقت منه، مش عايزة أي حاجة تربطني بيهم تاني.. أنا هنزلهم يا مي."
سكتت مي شوية وبعدين سألتني:
"إنتي متأكدة يا نسمة؟"
"أيوه.. العيال دي هي الحبل الوحيد اللي باقيلهم عندي، وأنا هقطعه خالص."
بعد ما قفلت معاها، قطعت ورقة السونار ميت حتة ورميتها في الزبالة.. كأني برمي تلات سنين من عمري ضاعوا مع ناس ميتمرش فيهم العيش والملح.
كانت الفكرة مسيطرة عليا: "لازم أخلص من الحمل ده."
مستحيل أظلم عيالي وأخليهم يعيشوا في بيت فيه جدة قاسية زي سعاد، وأب "خيبان" بيسكت لما مراته تتهان.
مقلتش لأبويا وأمي أي حاجة، مش ناقصين شيل هم.
روحت مستشفى خاص في "أكتوبر" بعيد عن منطقتنا
كنت
ماشية زي الحرامية، متدارية في طرحتي وخايفة حد يشوفني.
كل خطوة كانت تقيلة، بس قلبي كان بيقولي: "اقطعي الحبل ده وعيشي.."
أوضة العمليات كانت تلج، واللمض اللي فوقي ضوؤها كان عالي لدرجة إني مش عارفة أفتح عيني.
دكتور البنج لسه بيرفع السرنجة،بس اللي حصل بعدها قلب المستشفى وخلى كل اللي في الاوضة يتسمرو مكانهم ....
دكتور البنج لسه بيرفع السرنجة، وفجأة الباب اتفتح بهبدة هزت الحيطان، ودخلت "الحاجة سعاد" وهي بتنهج وصوت صريخها سابقها:
"اوقف عندك يا دكتور! البت دي حامل في صلب عيلة السيوفي.. اللي هيلمس شعرة من اللي في بطنها هطير فيها رقاب!"
تسمرت في مكاني، الرعشة أكلت جسمي، وبصيت وراها لقيت "ياسين" واقف، وشه أصفر زي الليمونة وعينه غرقانة ندم.. بس الندم اللي يغث النفس مش اللي يطمنها.
الحاجة سعاد قربت مني وهي بتمسح عرقها بعبايتها الغالية، وبتبصلي بنظرة غريبة.. مكنتش نظرة كره، كانت نظرة "جوع". جوع للوريث اللي كانت هتتجنن عليه.
"قومي يا نسمة.. قومي يا ست البنات. حقك عليا، كانت ساعة شيطان.. تسيبي نعمة ربنا وترمي ضناكي عشان شوية زعل؟"
ضحكت بوجع، ضحكة خلت الدكتور يرجع لورا من كتر القهر اللي فيها. قمت من على سرير العمليات وأنا شادة ضهري، وبصيت لياسين اللي مقدرش يحط عينه في عيني.
"عرفتوا منين؟" سألت بصوت واطي ومخيف.
ياسين نطق أخيراً: "مي كلمتني يا نسمة.. خافت عليكي من الذنب، وخافت تضيعي نفسك وتضيعي ولادي."
بصيت لمي اللي
"مكنتش هقدر أعيش… وضميري شايل موت روحين."
قلت الجملة دي وأنا ببص لياسين… مش بعين مراته…
ولا حتى بعين واحدة مكسورة…
لكن بعين أم…
أم لسه شايلة جواها روحين بيتنفسوا من وجعها…
وبيعيشوا على أملها.
سكتت الأوضة كلها.
حتى صوت الأجهزة…
حتى نفسهم…
كأن كل حاجة وقفت تستنى الرد.
قربت الحاجة سعاد…
وشها متوتر، لكن صوتها كان فيه نوع من التمثيل الرخيص:
"ياسين هيردك دلوقتي حالًا… والمؤخر اللي تطلبيه هيتكتب… والفيلا كمان هتتكتب باسمك… بس…"
وقفت لحظة…
وبعدين قالت الكلمة اللي كشفت كل حاجة:
"العيال دي تنزل في بيت السيوفي."
في اللحظة دي…
فهمت.
فهمت إن الكابوس مش العملية…
ولا الطلاق…
ولا حتى الخيانة…
الكابوس الحقيقي…
إنهم شايفينني "رحم"…
رحم للبيع.
رحم ممكن يتساوم عليه…
يتشرى…
يتباع…
وكأن اللي جوايا مش أرواح…
لكن "صفقة".
إيدي كانت في إيدها…
بس فجأة…
سحبتها بعنف.
بعنف خلاها تتراجع خطوة لورا…
وبصيت لياسين…
مش بنظرة رجاء…
ولا دموع…
لكن بنظرة حسم.
وقلتله…
بصوت طالع من جوا نار:
"أنا مش هسقطهم يا ياسين…"
سكت لحظة…
وخليته يستوعب…
وبعدين كملت:
"مش عشان خاطركم…
ولا عشان أرجع لبيتكم اللي ريحته ظلم…"
قربت خطوة…
وبصيت في عينه مباشرة:
"أنا هخليهم… عشان يكونوا الشوكة اللي تكسر قلبكم… كل ما تشوفوهم ماشيين في الشارع… ومش عارفين تلمسوهم."
وش الحاجة سعاد اتغير…
بقت ملامحها فيها صدمة…
وفيها غضب…
وفيها خوف لأول
"إنتي بتقولي إيه يا بت إنتي؟! دول أحفادي!"
ضحكت…
بس مش ضحكة فرح…
ضحكة موجوعة…
مرّة…
وبعدين قلت وأنا بلف عشان أخرج:
"أحفادك في ورقة السونار بس…"
وقفت عند الباب…