نـدم بـعد سنـوات كـاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز


سلوى، أختي الكبيرة، بصت لي بنفس النظرة الجادة اللي دايمًا كانت بتقفل أي نقاش.
وقالت:
— إحنا اشتغلنا في البيت ده طول عمرنا. مش فاهمة ليه فجأة كل حاجة بقت لازم تدور حوالين مراتك.
حسّيت الدم طالع لوشي.
لكن المرة دي… ما رجعتش خطوة.
قلت بهدوء:
— علشان هي حامل في الشهر التامن.
وبعدين كملت وأنا شايفهم قدامي:
— ولأنها واقفة لوحدها في المطبخ… وإنتوا قاعدين هنا ولا كأن في حاجة.
الصالون سكت تاني.
أمي مدت إيدها وقفلت التلفزيون.
الصوت اختفى فجأة… والتوتر زاد أكتر.
بصت لي وقالت:
— يا أحمد… أخواتك عملوا كتير علشانك طول عمرك.
هزيت راسي.
— عارف.
— يبقى لازم تحترمهم.
بلعت ريقي.
— احترامهم مش معناه إني أسيب مراتي تشيل كل حاجة لوحدها.
سلوى قامت من على الكنبة.
— يعني إحنا بقينا الوحشين دلوقتي؟
— ما قلتش كده.
— بس كلامك معناه كده.
دخلت دعاء في الكلام وقالت:
— وبعدين مريم نفسها ما اشتكتش.
الكلمة دي ضربتني جوايا.
لأنها كانت صح. متوفرة على روايات و اقتباسات ….مريم عمرها ما اشتكت.
ولا مرة رفعت صوتها…ولا مرة قالت إنها تعبانة….بس في اللحظة دي

فهمت حاجة بسيطة جدًا…
إن الإنسان ممكن يتألم… من غير ما يتكلم.
بصيت ناحية المطبخ.
النور كان لسه شغال.
وأنا متأكد إن مريم سامعة كل حاجة.
خدت نفس عميق تاني.
— أنا مش هنا علشان أحاسب مين عمل أكتر للعيلة — قلت — أنا بس بقول حاجة واضحة.
قربت خطوة.
— مراتي حامل… ومش هسمح إنها تفضل تشتغل كأنها مش حامل.
نادية لفّت عينيها.
— طب ما تريح… مين مانعها؟
بصيت لها وقلت:
— إنتوا.
التلاتة بصوا لي في نفس اللحظة.
— كل مرة تيجوا فيها البيت — كملت — مريم هي اللي بتطبخ… وتحط الأكل… وتشيل السفرة… وتغسل المواعين… ومحدش فيكم بيحرك صباعه.
دعاء رفعت صوتها:
— علشان ده النظام اللي اتعودنا عليه في البيت ده!
قلت ببطء:
— يبقى النظام ده انتهى.
السكوت وقع تاني.
أمي كانت باصة لي نظرة طويلة.
— يعني إيه كلامك ده؟ — قالت — يعني أخواتك ما بقوش مرحب بيهم هنا؟
هزيت راسي.
— لا… مرحب بيهم.
وسكت لحظة.
— بس لو جُم… يساعدوا.
نادية ضحكت بسخرية.
— بصوا بقى… الواد كبر.
حسّيت بالإهانة اللي ورا الجملة.
بس سكت.
سلوى فضلت باصة لي شوية… وبعدين قالت جملة ما توقعتهاش.
— كل ده…
علشان ست؟
الكلمة اتقالت بهدوء…
لكن كان فيها احتقار واضح.
وفي اللحظة دي حسّيت إن حاجة جوايا اتكسرت خالص.
بصيت لها في عينها مباشرة.
— لا.
وسكت ثانية.
— علشان عيلتي.
الجملة نزلت تقيلة في الصالون.
لأن لأول مرة… كنت محدد مين عيلتي.
مراتي.
وابني اللي جاي في الطريق.
في اللحظة دي سمعنا حركة ورا ضهرنا.
لفّينا كلنا.
كانت مريم واقفة عند باب الصالون.
كانت شالت المريلة من عليها وسايباها على ترابيزة المطبخ. بقلم منــي الـسـيد 
عينيها كانوا مليانين دموع.
واضح إنها كانت سامعة كل حاجة.
مشت ناحيتنا ببطء.
وقالت بصوت واطي:
— أحمد… ماكنش لازم تتخانق علشاني.
حسّيت بغصة في صدري.
— لا… كان لازم.
هزت راسها برفق.
— أنا مش عايزة أعمل مشاكل بينك وبين عيلتك.
مسكت إيديها.
كانت ساقعة.
قلت لها بهدوء:
— مريم… إنتي عيلتي.
محدش اتكلم.
ولا أخواتي.
ولا أمي.
مريم بصت لي كأنها مش عارفة تعمل إيه بالكلام ده.
وفجأة حصل حاجة محدش كان متوقعها.
أمي قامت من مكانها.
ومشت ببطء ناحية مريم.
كلنا كنا باصين.
لحظة حسّيت إنها هتزعلها.
لكن بدل كده… مسكت إسفنجة من على
الترابيزة.
وقالت بهدوء:
— اقعدي إنتي.
مريم بصت لها باستغراب.
— نعم؟
أمي تنهدت وقالت:
— أنا هكمل غسل المواعين.
الدهشة كانت واضحة على الكل.
أخواتي بصوا لبعض.
وأنا كمان ما توقعتش ده.
أمي بصت لهم وقالت:
— واقفين بتبصوا ليه؟
سلوى قالت:
— يا ماما…
أمي قطعت كلامها:
— على المطبخ… يلا.
وبنبرة حازمة كملت:
— الأربع أخوات هنخلص اللي بدأناه.
فضلوا واقفين لحظة.
بعدين نادية اتنهدت وقامت.
دعاء قامت بعدها.
سلوى كانت آخر واحدة.
عدّوا من جنبنا وساكتين… ودخلوا المطبخ. متوفرة على روايات و اقتباسات
وصوت المية رجع يتسمع…بس المرة دي… معاه أصوات تانية..مريم كانت لسه باصة لي.
وقالت بهمس:
— أحمد… ليه عملت كل ده؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
— علشان أخدت مني تلات سنين علشان أفهم حاجة بسيطة.
استنت شوية.
مسكت إيديها أكتر.
— إن البيت مش المكان اللي الكل فيه يدي أوامر.
سكت لحظة.
— البيت هو المكان اللي حد يختارك فيه… ويقف جنبك.
مريم غمضت عينيها لحظة.
ولما فتحتهم… كانت بتعيط.
بس المرة دي ماكانش عياط زعل.
وفي الوقت اللي أخواتي في المطبخ كانوا بيتخانقوا مين ينشف
المواعين…
حسّيت لأول مرة من زمان طويل…
إن البيت ده ممكن فعلًا…
يبقى بيت….

 

النهاية بقـلم منـي السـيد 

حكـايات منـي السـيد 

تم نسخ الرابط