خرجت تطالب بحقها… وبعد 14 سنة الأرض كشفت السر اللي محدش كان يتخيله
طبعًا
لأن اللي ظهر بعد 14 سنة
ماكانش مجرد حاجة قديمة مدفونة في الأرض
كان دليل.
دليل خلّى رجليّا تتهزوا
وخلّى كل كلمة كنا بنقولها من سنين ترجع ترنّ في وداني من أول وجديد.
تاني يوم من اختفاء أمي
أنا روحت بنفسي أعمل بلاغ.
كنت ماسكة صورتها بإيدي
وصورة هدومها
وورقة كاتبة فيها كل حاجة
البلوزة الخمري
البنطلون البيج
الشنطة الفاتحة
وآخر عنوان راحتله.
دخلت المكان وأنا متخيلة إنهم هيقوموا الدنيا
بس اللي حصل؟
كان صدمة.
الموظف حتى ما بصليش كويس.
سألني أسئلة خلت النار تولع جوايا
ممكن تكون سابت البيت من نفسها؟
كان بينكم مشاكل؟
مرتبطة بحد؟
ممكن تكون راحت عند قرايبها؟
بصيتله وأنا مش مصدقة
قولتله
أمي مش من النوع ده أمي عمرها ما تسيبنا من غير ما تقول
رد ببرود
استنوا 72 ساعة وبعدها نشوف
72 ساعة؟!
أنا وقتها حسيت إن الدنيا كلها بتنهار
وأمي لسه حتى ما كملتش يوم برا البيت.
الثلاث أيام دول
كانوا أطول 3 أيام في عمري.
أنا وأخويا لفّينا الشوارع
سألنا في المستشفيات
وقفنا عند مواقف العربيات
دخلنا السوق
سألنا البياعين
وسألنا
ولا حد شافها.
ولا حد سمع عنها.
ولا حد حتى قال كلمة تطمّن.
العنوان اللي كانت رايحاله
طلع أسوأ مما توقعنا.
شارع طويل
بيوت شبه بعض
وأبواب مقفولة
وجيران كل واحد يقول كلام غير التاني.
واحدة قالت
آه كان في ست ساكنة هنا من فترة
واحد تاني قال
لا دي نقلت من زمان
واحدة كبيرة في السن قالت وهي بتفكر
أنا فاكرة عربية بيضا كانت بتيجي كتير بس مين ساكن؟ معرفش
كان كله دخان
نمشي ورا خيط
يقف.
نسأل على اسم
يختفي.
نطرق باب
يطلع غلط.
وأكتر حاجة كانت بتكسرني
إن اسم الست اللي أمي راحتلها
كان موجود في كل حكاية
بس الست نفسها؟
ولا كأنها عاشت أصلًا.
لا عنوان ثابت.
لا رقم شغال.
لا حد عارف يحدد هي راحت فين.
كأن الأرض بلعتها.
بعدها بأيام
البلاغ اتسجل.
بس مش باعتبار إن أمي مختفية بجد
لا.
اعتبروها ست كبيرة
ممكن تكون مشيت بإرادتها.
الجملة دي
فضلت سنين عاملة زي السكينة في قلبي.
إزاي بإرادتها؟
دي ست كانت عايشة للبيت وبس.
للعيال.
للشغل.
للكرامة.
أمي ما كانتش بتهرب
أمي كانت بتواجه.
من اليوم ده
البيت
أختي الصغيرة بطلت تتكلم كتير.
أخويا بقى يرجع متأخر ووشه متبدل.
وأنا
أنا بقيت أصحى وأنام على نفس السؤال
هي راحت فين؟
عدّى شهر
وبعدين شهرين
وبعدين سنة
والناس بدأت تعمل الحاجة اللي بتوجع أكتر من الغياب نفسه
تنسى.
الجيران بطلوا يسألوا.
الناس بطلت تساعد.
واللي كان يقول إن شاء الله ترجع
بقى يقول
لازم تعيشوا
بس إحنا ما عرفناش نعيش طبيعي.
إزاي نعيش طبيعي
والطبق بتاعها لسه مكانه؟
وريحتها لسه في الدولاب؟
وحاجتها كلها مستنياها ترجع؟
أخويا مرة قاللي وهو مخنوق
أنا حاسس إن أمي وصلت للمكان وحصل حاجة
الكلمة دي خوفتني.
لأني كنت حاسة نفس الإحساس
بس كنت بخاف أقوله بصوت.
السنين عدّت
وأنا ما بطلتش أدور.
حتى لما الدنيا كلها سكتت
أنا ما سكتش.
كنت محتفظة بدفتر صغير
كاتبة فيه كل حاجة
كل اسم
كل عنوان
كل رد
كل كذبة
كل باب اتقفل في وشنا.
وكان عندي يقين واحد
أمي ما اختفتش بإرادتها.
وفي وسط كل ده
كنا فاكرين إن أسوأ حاجة هي إننا مش عارفين.
لكن الحقيقة؟
الأسوأ كان لسه جاي.
في أول 2011
بعد 14 سنة كاملة
كان في أرض فاضية
مكان الناس بترمي فيه مخلفات وخردة وحاجات مكسورة.
الجيران اشتكوا من القاذورات
فبعتوا عمال ينضفوا المكان.
يومها
اتنين من العمال لقوا لوح أسمنتي كبير
مترمي في نص الأرض بطريقة غريبة.
مش جنب حيطة.
مش جزء من رصيف.
مش له أي معنى.
واحد منهم قال
مين يحط حاجة زي دي هنا؟
التاني رد
ارفع نشوف
رفعوا اللوح
وهنا
كل حاجة بدأت تتبدل.
تحته كان في حفرة صغيرة
طين
ومية راكدة
وريحة مكان مقفول من سنين.
وفي جوه الحفرة
كان في حاجتين.
شنطة لونها فاتح
وقديمة جدًا
وجنبها
بلوزة خمري.
لما الخبر وصلني
قالولي
تعالي في حاجة ممكن تخص والدتك
أنا من ساعتها وجسمي كله كان بيرتعش.
روحت وأنا مش شايفة قدامي
قربت من المكان
وبمجرد ما عيني وقعت على الشنطة
صرخت.
دي كانت شنطة أمي.
أنا عرفتها من أول نظرة.
حتى وهي متبهدلة
حتى وهي مغطية طين
حتى بعد السنين دي كلها
عرفتها.
قربت أكتر من البلوزة
إيدي كانت بترتعش
بس قلبي كان هيقف فعلًا لما شفت الكم.
فيه خياطة صغيرة
أمي كانت عاملاها بإيديها.
ساعتها
ما بقيتش قادرة أقف.
حسيت إن
14 سنة
14 سنة وإحنا بندور في المدينة كلها
وأثر أمي كان قريب مننا بالشكل ده؟!
تحت رجلين الناس؟
تحت لوح إسمنت؟
على بعد شوارع من بيتنا؟!
ساعتها بس
أول مرة الخوف اتحول