خانها بالثقة وصدق الأكاذيب… لكن ما اكتشفه سرًا في المطبخ قلب حياته رأسًا على عقب!
كان الصمت في القصر الضخم في فيلا داس بالميراس ثقيلاً دائماً، لكن في تلك الأمسية كان يحمل طابعًا مختلفًا؛ كان صمتًا يسبق عاصفة. وقف ريناتو، رجل الأعمال الناجح الذي بنى إمبراطوريته من الصفر، على الرصيف، قابضًا بقوة على مقبض حقيبته الجلدية. كان سائق سيارته السوداء قد دار حول الشارع وابتعد ببطء. تمتم ريناتو بصوت خافت متحشرج إن كنت مخطئًا في هذا، فسأفقد ابنتيّ إلى الأبد، وهو يشعر بعقدة في حلقه تكاد تخنقه.
لم تكن هناك أي رحلة إلى نيويورك، ولا مؤتمر عمل عاجل. كان كل شيء مجرد خدعة، مسرحية مدروسة بعناية لكشف الحقيقة التي كانت تنهش منزله من الداخل.
منذ أن رحلت هيلينا، زوجته الحبيبة وأم ابنتيه، بعد صراع قاسٍ مع المرض، تحولت حياة ريناتو إلى نفق مظلم. وبدلاً من مواجهة ذلك الألم الهائل وأن يكون الملاذ الذي تحتاجه صغيرتاه، ارتكب الخطأ الذي يقع فيه كثير من الرجال المنكسرين احتمى بالعمل. أصبحت الاجتماعات، والتقارير المالية، والسفر المتواصل، مخدّرًا له. وفي خضم هذا الفراغ العاطفي، ترك منزله يُدار على يد من يتحدث بثقة وسلطة أكبر. وهكذا دخلت كلاريس إلى حياتهم.
كانت كلاريس، خطيبته الحالية، امرأة أنيقة وراقية، وفي ظاهرها صورة الأم المثالية التي ظن أنها قادرة على إصلاح أسرته الممزقة.
كانت جوانا الخادمة، امرأة بسيطة، يداها خشنتان من العمل، لكن عينيها دافئتان. عملت لدى العائلة لسنوات، وكانت موجودة حين كانت هيلينا على قيد الحياة، وبقيت بعد رحيلها. غير أن كلاريس، خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، لم تتوقف عن دسّ السم في أذن ريناتو. كانت تجلس على الأريكة الفاخرة في غرفة الجلوس، والدموع تلمع في عينيها، وتقسم أن جوانا تسرق المال من حقيبتها، وتخفي أشياء ثمينة بدافع الحقد، والأسوأ من ذلك أنها بحسب زعمها كانت تؤثر في الطفلتين، بيا ولونا، وتغرس في نفسيهما الكراهية تجاهها.
كان ريناتو منهكًا جسديًا ونفسيًا، مثقلاً بالذنب، وأعمى عن الحقيقة، فصدقها. ليس لأن هناك دليلًا حقيقيًا، بل لأن التعب كان أقوى منه. كان من الأسهل أن يصدق المرأة التي تشاركه حياته، بدلًا من أن يقرأ الحزن في عيون ابنتيه.
ولهذا قرر في تلك الأمسية أن يتظاهر بالسفر. أراد أن يمسك جوانا متلبسة. تسلل بهدوء عبر الممر الجانبي، يزيح الأوراق الجافة حتى لا يصدر صوتًا. وصل إلى الباب الخلفي، وأدخل يده تحت
ما إن عبر العتبة إلى ممر الخدمة المظلم، حتى بدا المنزل مختلفًا. لم يعد يشعر وكأنه ذلك المتحف البارد المثالي الذي حاولت كلاريس فرضه. ومن هناك، مختبئًا في الظلال كغريب في بيته، رأى المطبخ مضاءً بضوء دافئ من غروب الشمس. حبس أنفاسه وأطلّ بحذر ليرى.
كانت جوانا هناك، ترتدي مئزرها البالي، وتقف إلى جانب الجزيرة الرخامية الكبيرة. أمامها جلست ابنتاه، بيا ولونا، على المقاعد المرتفعة. شعر ريناتو بوخزة في صدره؛ لم يرهما منذ أسابيع بهذا الهدوء، بهذا الصفاء الطفولي.
كانت جوانا تقطع كعكة منزلية الصنع بهدوء ورقة. راقبها ريناتو، مأخوذًا ومثقلًا بالخجل، وهي تزيل بعناية فائقة قطع الفراولة الزائدة من طبق بيا، متذكرة دون أن يخبرها أحد أن ابنته الكبرى تحب الطعم لكنها تكره ملمس الفاكهة الكاملة. ثم، بحركة طبيعية سلسة، وضعت كأس الحليب الخاص بلونا على يسار
تجمد ريناتو في مكانه، وابتلع ريقه بصعوبة. كانت كلاريس تعيش في هذا المنزل منذ أشهر، وتتناول الطعام معهما يوميًا، ولم تلاحظ يومًا هذا التفصيل الصغير الكبير. بل إنها كانت كثيرًا ما توبخ لونا لأنها تسكب العصير عندما تحاول الوصول إلى الكأس بيدها الأخرى.
رفعت بيا نظرها، بعينين واسعتين وتعابير جادة لا تتناسب مع عمرها الصغير، وقالت بصوت يحمل براءة ممزوجة برجاء خفي هل هناك المزيد من الشوكولاتة يا جوانا؟
ابتسمت جوانا ابتسامة دافئة أضاءت أرجاء المطبخ، ابتسامة صادقة لا يشوبها تصنّع، وقالت بصوت حنون يلامس القلب بالطبع يا حبيبتي، لكن عليكِ أن تأكلي ببطء، وإلا سيؤلمك بطنك ليلًا.
في تلك اللحظة، انطلقت ضحكة لونا، خفيفة ونقية كصوت جرس صغير، ضحكة أدرك ريناتو فجأة أنه لم يسمعها منذ زمن طويل، أو ربما لم ينتبه لغيابها من قبل. مالت الصغيرة بجسدها، وأسندت رأسها برفق على ذراع جوانا، وكأنها تجد في قربها ملاذًا آمنًا من عالم قاسٍ لم تعد تفهمه. كان ذلك المشهد بسيطًا في ظاهره، لكنه كان يحمل في طياته حبًا عميقًا وثقة مطلقة لا يمكن تزويرها.
في ظلال الممر، وقف ريناتو جامدًا، كأن الزمن توقف من حوله. امتلأت عيناه بالدموع دون أن يشعر، وانقبض قلبه