كل ليلة كان أخي يعطيني شايًا للنوم… ليلة واحدة فقط تظاهرت بالشرب فاكتشفت السر المرعب داخل منزلنا!
أمي.
وهذا يعني… أنها لم تمت فحسب.
فجأة صرّ الباب المعدني.
كان يُفتح من الداخل.
تراجعت إلى الظلام وتعثر جسدي بالدرج.
انطفأ المصباح.
ظلام تام.
التصقت بالجدار بينما انفتح الباب وانسكب شريط من الضوء الأصفر في الممر.
خرج ظل دانيال.
وخلفه رجل آخر.
توقف دانيال.
وقال:
«من هناك؟»
لم يكن ذلك صوت أخي.
كان صوت رجل مستعد لارتكاب شيء فظيع.
في تلك اللحظة أنقذني شيء غير متوقع.
اهتز هاتفي.
كان ذلك اهتزازًا خافتًا بالكاد يُسمع، لكنه في تلك اللحظة بدا لي كأنه دويّ داخل صدري. كان المنبّه الذي ضبطته قبل دقائق، قبل أن أقرر النزول إلى ذلك الممر المظلم خلف الجدار. كنت قد كتبت لنفسي رسالة قصيرة تظهر على الشاشة في تلك اللحظة:
«اخرجي… الآن.»
لم يكن الأمر مجرد تذكير… بل كان خطة هروب.
صدر من الهاتف صوت خفيف مع الاهتزاز، صوت صغير بالكاد يُلاحظ في مكان عادي، لكنه في ذلك الممر الضيق بدا كأنه صرخة.
التفت دانيال ببطء.
رفع رأسه.
ونظر نحوي.
رآني.
لم يبدُ عليه الاندهاش… بل شيء أسوأ.
ابتسم ابتسامة صغيرة باردة، ثم همس بصوت منخفض:
«آه… إذن لم تشربيه.»
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
اقترب خطوة واحدة.
وتراجعت أنا خطوة.
كان الممر ضيقًا جدًا، والجدران من حولي بدت وكأنها
اقترب أكثر.
تراجعت مرة أخرى.
حتى اصطدم ظهري بالجدار البارد.
قال بصوت هادئ، لكنه كان هدوءًا مخيفًا:
«أختي… لم يكن عليك أن تجعلي الأمر صعبًا.»
كان الرجل الآخر يقف خلفه، ظلًا ضخمًا في الضوء الأصفر المتسرب من الغرفة.
قال ذلك الرجل بنبرة متوترة:
«لنذهب. ليس لدينا وقت.»
لكن دانيال لم يتحرك.
بل ابتسم ببطء، وكأن الأمر كله مجرد لعبة.
وقال:
«لدينا وقت كافٍ… هي دائمًا تنام.»
في تلك اللحظة لم أفكر.
ركضت.
تحرك جسدي قبل أن يتمكن عقلي من اللحاق به.
ألقيت الهاتف على الأرض بقوة حتى يصدر صوتًا يشوشهم للحظة، ثم اندفعت صاعدة في الممر الضيق بكل ما أملك من قوة.
سمعت صوته يصرخ خلفي:
«أمسكوا بها!»
ارتد صدى صوته في الجدران الإسمنتية كأنه قادم من كل مكان.
كانت الدرجات خشنة وزلقة قليلًا، وكدت أسقط أكثر من مرة، لكن الخوف جعل قدمي تتحركان بسرعة لم أعرفها من قبل.
وصلت إلى اللوح الخشبي المخفي في غرفتي.
دفعت اللوح.
زحفت خارجة بسرعة.
ثم أغلقت اللوح بكل قوتي.
لم أفكر… فقط دفعت خزانة الملابس الثقيلة أمام الجدار حتى تسد المكان.
لكنني كنت أعرف في داخلي…
أن ذلك لن يوقفه طويلًا.
لم تمضِ ثوانٍ حتى سمعت صوت خطواته في الممر داخل الجدار.
ثم
ثم أخرى.
بعد لحظات سمعت طرقًا على باب غرفتي.
لم يكن طرقًا غاضبًا.
بل طرقًا هادئًا.
مخيفًا.
ثم قال بصوت منخفض:
«افتحي الباب… لا تفعلي مشكلة.»
كانت يداي ترتجفان.
أمسكت الهاتف الذي كان لا يزال في يدي واتصلت برقم الطوارئ.
رنّ الهاتف مرة.
مرتين.
ثم جاء صوت امرأة هادئ في الطرف الآخر:
«خدمات الطوارئ، ما هي حالتك؟»
فتحت فمي لأتكلم…
لكن في تلك اللحظة سمعت صوت دانيال من خلف الباب.
كان قريبًا جدًا.
قال ببطء شديد:
«إن اتصلتِ… ستنتهين مثل أمي.»
تجمدت الكلمات في حلقي.
أمي.
الكلمة وحدها كانت كافية لتجعل الدم يتجمد في عروقي.
ثم تذكرت شيئًا قالته جارتنا العجوز ألينغ أماليا قبل سنوات.
كنا نجلس أمام المنزل في إحدى الأمسيات، وكانت تضحك وهي تقول:
«إذا سمعتِ طرقًا في بيتك… لا تحبسي نفسك في الداخل. اهربي إلى الخارج. البيوت لها آذان.»
في تلك اللحظة فهمت ما كانت تقصده.
المنزل لم يكن مكانًا آمنًا.
كان فخًا.
رفعت عيني نحو النافذة.
كانت مفتوحة قليلًا.
ركضت إليها.
دفعتها أكثر.
وفي اللحظة نفسها سمعت صوت تحطم قفل الباب خلفي.
لم ألتفت.
صعدت إلى حافة النافذة.
وقفزت.
سقطت على العشب بقوة.
شعرت بألم حاد في كاحلي عندما التوى تحت جسدي.
لكنني
وقفت بصعوبة.
وركضت.
ركضت نحو البوابة الحديدية الكبيرة في نهاية الحديقة.
كان الهواء البارد يصفع وجهي، وكانت أنفاسي تخرج متقطعة.
سمعت صوت الباب خلفي يُفتح بعنف.
ثم صوته.
كان يصرخ باسمي.
«عودي إلى هنا!»
لكنني لم أتوقف.
فتحت البوابة.
وركضت إلى الشارع.
الشارع كان مظلمًا إلا من بعض الأضواء البعيدة.
لكنني شعرت بشيء لم أشعر به منذ زمن طويل.
الهواء.
الحرية.
للمرة الأولى منذ وقت طويل… تنفست بعمق.
وقفت في منتصف الطريق وأنا ألهث.
في البعيد بدأت أسمع صوت صفارات.
صفارات سيارات الشرطة.
لم أكن أعرف إن كانت قادمة بسببي…
أم إن دانيال كان قد سبقني إلى الاتصال وتحضير قصة جديدة.
فهو كان دائمًا جيدًا في الأكاذيب.
لكن شيئًا واحدًا تغير.
شيئًا واحدًا لم يعد يملكه.
لم أعد نائمة.
لم أعد تلك الفتاة التي تشرب الشاي كل ليلة وتفقد الوعي دون أن تعرف لماذا.
لقد رأيت الغرفة.
ورأيت الملفات.
ورأيت الصور التي التقطها لي وأنا نائمة.
ورأيت الأوراق التي تحمل اسمي… ومكان التوقيع الفارغ.
وسمعت الكلمات التي قالها.
«كما فعلت أمي.»
تلك الكلمات وحدها كانت كافية لتغير كل شيء.
وقفت في الشارع وأنا أرتجف.
لم يكن الارتجاف من البرد فقط.
بل من الحقيقة التي بدأت
أمي لم تمت كما قالوا.
لم تكن وفاة طبيعية.
لم تكن مجرد مرض.
بل كانت جزءًا من هذا السر.
جزءًا من هذا البيت.
جزءًا من ذلك الممر المخفي خلف الجدار.
رفعت رأسي.
كانت صفارات الشرطة تقترب أكثر.
وأدركت شيئًا في تلك اللحظة.
سرّ ذلك المنزل…
لن يبقى محبوسًا بين جدرانه بعد الآن.