كل ليلة كان أخي يعطيني شايًا للنوم… ليلة واحدة فقط تظاهرت بالشرب فاكتشفت السر المرعب داخل منزلنا!
في تلك الليلة، عندما ناولني دانيال الكوب، كنت مستعدة.
ابتسمت كما أفعل دائمًا، وأومأت كما أفعل دائمًا، ورفعت حافة الكوب إلى شفتي كما أفعل كل ليلة… لكن بدل أن أبتلع، تركت السائل يستقر عند طرف لساني. كان طعمه مُرًّا… معدنيًّا… لا يشبه إطلاقًا طعم عشبة الناردين التي كان يزعم أنه يضعها فيه.
قال دانيال وهو يستند إلى إطار الباب، مرتديًا ذلك التعبير الهادئ الذي بدأ مؤخرًا يرعبني:
«اشربيه ببطء… سيساعدك على النوم.»
أديتُ الدور كاملًا. أخذت رشفة زائفة، ثم أخرى، وأطلقت تنهيدة خفيفة، وجعلت جفوني تتثاقل كأن النعاس بدأ يغلبني. وعندما التفت للحظة نحو الممر، أملت الكوب بحذر وسكبت الشاي في أصيص النبات الجاف في الزاوية خلف الستارة.
همست بصوت متثاقل قليلًا:
«تصبح على خير يا داني.»
ابتسم.
وقال:
«تصبحين على خير، أختي الصغيرة.»
سمعت خطواته تبتعد. بطيئة… هادئة… وكأنه يعرف تمامًا متى يحدث كل شيء.
انتظرت.
خمس دقائق.
عشر.
خمس عشرة دقيقة.
بقيت ساكنة تمامًا، أتحكم في أنفاسي، حتى بدا الصمت آمنًا… لكن في ذلك المنزل لم يكن هناك شيء آمن حقًا. كل شيء كان يتظاهر فقط بالأمان.
عند الساعة التاسعة تمامًا، وكأن الساعة نفسها شريكة في الأمر، سمعت أول صرير في الممر.
ثم صريرًا آخر.
خطوات.
كان دانيال قادمًا.
استلقيت على جانبي على السرير كما أفعل عادة، وتركت ذراعي تتدلى قليلًا من الحافة كما يفعل من
فتح الباب دون أن يُدفع. كان دانيال قد تركه مواربًا قليلًا، ثم دخل الغرفة.
لم يكن يحمل الكوب.
كان يحمل مفتاحًا.
مفتاحًا قديمًا طويلًا أسود اللون، بأسنان غريبة… من النوع الذي يُصنع للمنازل القديمة جدًا… أو للأبواب التي لم يكن من المفترض أن تُفتح.
اتجه إلى الطاولة الصغيرة بجانب السرير، وفتح الدرج السفلي، ثم أخرج شيئًا ملفوفًا بقطعة قماش. فكّ القماش ببطء.
كانت زجاجة صغيرة مليئة بحبوب بيضاء.
جفّ حلقي.
«مجرد عشبة الناردين.»
رأيته يعيد الزجاجة إلى مكانها، كأنه يعيد سرًّا إلى مخبئه، ثم اقترب من سريري. انحنى قليلًا وراح يدرس وجهي.
حبست أنفاسي.
مدّ دانيال يده نحو معصمي ليتحسس نبضي.
ثانية.
ثانيتان.
ثلاث ثوانٍ.
ابتسم باطمئنان، ثم اعتدل واقفًا.
بعد ذلك فعل شيئًا جعل الدم يتجمّد في عروقي أكثر من الحبوب نفسها.
توجه نحو الجدار.
الجدار المجاور لخزانة الملابس.
مرر أصابعه عليه، كأنه يعرف تمامًا أين يقع خطّ خفي في الخشب.
ضغط.
وسُمِع صوت «طَقّة» صغيرة في الظلام.
تحرّك الجدار.
لم يكن بابًا عاديًا.
كان لوحًا مخفيًا.
قطعة من الخشب بلون الجدار نفسه، مخفية بإتقان شديد لدرجة أنني طوال حياتي في هذا المنزل لم ألاحظها قط.
دفع دانيال اللوح فانفتح ممر ضيق، بالكاد يتسع لشخص نحيف.
لم
كان هناك ممر.
ممر ضيق مظلم تفوح منه رائحة الرطوبة القديمة والغبار.
دخل دانيال إلى الداخل.
وقبل أن يغلق اللوح، همس بشيء… وكأنه يتحدث مع شخص موجود في الداخل.
«إنها نائمة.»
أُغلق اللوح.
تجمدت في مكاني فوق السرير.
بدأ طنين يملأ رأسي.
فجأة لم يعد المنزل منزلًا. صار مسرحًا مليئًا بالفخاخ. جسدًا يخفي أعضاء مليئة بالأسرار.
جلست فجأة دون أن أشعر. كانت ساقاي ترتجفان وصدر السرير يصرّ.
بقيت ساكنة، أنتظر عودته.
لم يحدث شيء.
فقط صوت بعيد… كأن شيئًا يُسحب تحت قدمي.
كصوت معدن يحتك بالإسمنت.
ابتلعت ريقي.
ثم تذكرت الأسبوع الأخير من حياة أمي. كيف حاولت أن تخبرني شيئًا وهي بالكاد تستطيع التنفس. كيف أمسكت بيدي وأشارت إلى الأسفل… إلى الأرض… إلى المنزل نفسه… وكأن المنزل هو العدو.
وتذكرت كلماتها الأخيرة الواضحة تقريبًا، همسًا بالكاد يُسمع:
«لا تشربي أبدًا… أي شيء… لم تري تحضيره بنفسك.»
في تلك الليلة فهمت أخيرًا.
لم يكن ذلك جنونًا.
كان تحذيرًا.
نهضت حافية القدمين. أمسكت هاتفي. وضعته على الوضع الصامت. شغلت المصباح بأضعف إضاءة.
وتوجهت نحو الخزانة.
كان الجدار يبدو مثاليًا. أملس.
لكنني الآن عرفت أين أبحث.
مررت أصابعي ببطء فوق الطلاء حتى شعرت بخط خافت جدًا… كأنه شق صغير.
ضغطت حيث ضغط هو.
لم يحدث شيء.
حاولت مرة أخرى أعلى قليلًا.
لا شيء.
كانت يداي تتعرقان.
ثم لاحظت تفصيلًا صغيرًا في أسفل اللوح الخشبي: علامة خدش خفيفة، كأن أحدهم يلمسها كثيرًا.
أدخلت إصبعي فيها.
وضغطت.
«طَقّة.»
انفتح اللوح كأن الخشب العتيق يتنهد.
ضربتني الرائحة أولًا: رطوبة… عفن… غبار… وشيء آخر.
رائحة كيميائية.
كلور.
كأن أحدهم ينظف المكان بإفراط.
ألقيت نظرة إلى الداخل.
كان الممر ضيقًا وينحدر إلى الأسفل، كأنه حلق يقود إلى معدة المنزل. كانت الدرجات من الإسمنت الخشن، وعلى الجانبين أنابيب قديمة.
نزلت.
كل خطوة كانت تبدو كأنها تصرخ رغم أنني لم أصدر صوتًا.
في ضوء المصباح رأيت أجزاء من الجدار مغطاة بأسماء وتواريخ وسهام مرسومة.
وفي النهاية كان هناك صوت.
أصوات.
همسات.
توقفت، ملتصقة بالجدار.
ثم رأيته.
ضوء أصفر يتسلل من شق صغير.
اقتربت.
كان هناك باب آخر.
باب معدني عليه قفل.
وخلفه… غرفة.
رفوف.
صناديق.
ملفات.
و… صور.
صور لمنزلي… لكنها ملتقطة من الداخل، من زوايا لم أرها من قبل.
صور لغرفتي.
لسريري.
صور لي.
وأنا نائمة.
انقبضت معدتي.
لم يكن الأمر مجرد «أخ غريب الأطوار».
كان شخصًا يراقبني.
شخصًا يضع لي مواد منومة.
شخصًا يدخل غرفتي وأنا عاجزة.
كانت يدي ترتجفان بشدة حتى ارتجف الضوء.
على الطاولة داخل الغرفة كان هناك ملف مفتوح. قرأت العنوان:
«الممتلكات — الإرث — الوثائق»
وتحت العنوان ورقة تحمل اسمي الكامل.
اسمي.
وبجوارها مكان فارغ للتوقيع.
سمعت صوت دانيال يتحدث، أقرب الآن.
قال:
«يجب أن ننتهي قبل أن تبدأ بالشك.»
رد صوت آخر عميق، ليس من أهل المنزل:
«وماذا لو رفضت التوقيع؟»
ضحك دانيال بهدوء.
وقال:
«ستوقّع وهي نائمة… كما فعلت أمي.»
تجمّد الدم في عروقي.
وضعت يدي على فمي كي لا أصدر صوتًا.