ضحكوا على الجندي بلا أوسمة… ثم صدمهم جنرال بتحية عسكرية!
كان بيرتينغ قد غاب عن قريتهم خمس سنوات. كان جندياً. وكان الجميع يتوقع أنه عندما يعود إلى البيت سيحمل معه كثيراً من قصص البطولة، ومالاً وفيراً، وصدره ممتلئاً بالأوسمة.
لكن عندما نزل بيرتينغ من الدراجة ذات العربة الجانبية بدا مختلفاً.
كان نحيفاً، غائرتي العينين، وأكثر ما كان لافتاً أن ذراعيه وعنقه كانا مغطّيين بالندوب. وكان على وجهه جرح كبير بدا كأنه ضُرب بشفرة.
لم تكن معه أي أوسمة.
ولا زيّ عسكري جديد.
فقط حقيبة قديمة في يده.
وسرعان ما أصبح موضوع الحديث في مكان الشرب أمام متجر آلينغ بيبانغ.
ضحك مانغ كانور، سكير القرية، وقال:
«انظروا إلى بيرتينغ. ألم يكن من المفترض أنه من القوات الخاصة؟ لماذا يبدو كأنه من قوات القمامة الخاصة؟»
انفجر رفاقه في الشرب بالضحك.
وقال آخر:
«لم يجلب حتى وساماً واحداً! ابن القبطان عاد ومعه وسام الصليب الذهبي! أما بيرتينغ؟ فقد عاد بالندوب! ربما كان جباناً في الحرب! ربما عند أول طلقة هرب وأصيب في ظهره!»
مرّ بيرتينغ بالقرب من مكان الشرب ليشتري سجائر. كان يسمع كل إهانة بوضوح.
صاح مانغ كانور:
«يا بيرتينغ! ماذا حدث لوجهك؟ هل تعثرت من الخوف؟ أين كنت متمركزاً؟ في مطبخ المعسكر؟ هاهاها!»
لم يقل بيرتينغ شيئاً. خفّض رأسه ببساطة، أخذ ما اشتراه، وعاد إلى البيت. لقد اعتاد الألم. وقد تحمّل ما هو أسوأ بكثير من كلمات رجال مخمورين.
مرت الأيام، وازدادت الأحاديث سوءاً. قال بعضهم إنه طُرد من الجيش طرداً مخزياً. وقال آخرون إنه فقد عقله في الجبال. لم يكن أحد يريد أن يتحدث مع بيرتينغ.
وفي أحد الأيام بعد الظهر، بينما كان مانغ كانور يثير الضجيج مرة أخرى في مكان الشرب ويتباهى بصوت عالٍ —
دوّى صوت محرك عالٍ:
بررررررر—بررررررر—بررررررر!
ارتفع هدير المحرك في أنحاء القرية. التفت الجميع لينظروا.
صاح الناس:
«ماذا يحدث؟ من هؤلاء؟»
وفي وسط ملعب كرة السلة في القرية توقفت سيارة جيب عسكرية سوداء.
اتسعت عيون القرويين دهشة.
«يا إلهي! لماذا توجد سيارة عسكرية هنا؟ هل هناك حرب؟!»
نزل جنود يرتدون عتاداً قتالياً كاملاً وبدأوا بتأمين المكان.
ثم نزل رجل آخر — أكبر سناً، لكنه يقف بوقفة عسكرية صارمة. كان صدره مغطى بالأوسمة، وعلى كتفيه أربع نجوم لامعة.
جنرال بأربع نجوم.
ساد الصمت في القرية كلها. حتى مانغ كانور، الذي كان يصرخ قبل لحظات، تراجع إلى الخلف وركبتاه ترتجفان.
همس القرويون:
«من الذي يبحثون عنه؟»
اتجه الجنرال مباشرة نحو بيت بيرتينغ الصغير.
وفي تلك اللحظة خرج بيرتينغ من البيت، مرتدياً قميصاً بلا أكمام، وهو يكنس ساحة منزله.
عندما رأى الجنرال بيرتينغ توقف عن السير.
كان القرويون يتوقعون أن يُعتقل بيرتينغ.
لكن القرية بأكملها صُدمت عندما—
وقف الجنرال باستقامة تامة، كأن جسده كله تحول إلى عمود من الانضباط العسكري، ثم رفع يده ببطء وأدّى التحية العسكرية لبيرتينغ.
دوّى صوته في الساحة بصوت واضح وقوي:
«سيدي!»
تجمدت القرية بأكملها في أماكنها.
لم يكن أحد يتوقع ذلك.
حتى بيرتينغ نفسه بدا للحظة وكأنه لم يستوعب ما حدث.
لكنه سرعان ما اعتدل في وقفته، ورفع يده المرتجفة قليلاً، ورد التحية العسكرية كما علّمته سنوات الخدمة.
قال بصوت منخفض لكنه ثابت:
«الجنرال فالديس!»
خفض الجنرال يده فجأة.
ثم تقدم خطوة سريعة.
وفجأة بيرتينغ بقوة.
الرجل أخاً فقده منذ زمن طويل.
لم يكن أحد يتوقع ذلك أيضاً.
وكان الأكثر صدمة أن الجنرال… كان يبكي.
ارتجف صوته وهو يقول:
«أ-أنت
تبادل القرويون النظرات في صمت مذهول.
اقترب بعضهم أكثر ليروا ما يحدث.
ومن بينهم مانغ كانور نفسه.
الرجل الذي كان يسخر قبل دقائق فقط.
لكن هذه المرة لم يكن يضحك.
كان وجهه متجمداً.
وصل قائد الحي مسرعاً بعدما سمع ضجيج المحرك العسكري.
تقدم بخطوات مترددة.
ثم قال بتردد:
«سيدي الجنرال… لماذا تؤدي التحية لذلك الجندي؟»
أشار بيده إلى بيرتينغ وقال باستهزاء لم يستطع إخفاءه تماماً:
«هذا الرجل فاشل. لقد عاد إلى القرية خالي الوفاض. لا مال. لا أوسمة. لا شيء. حتى وسام واحد لا يملكه.»
ساد صمت ثقيل.
التفت الجنرال فالديس ببطء نحو الحشد.
وكانت ملامح وجهه قد تغيرت تماماً.
اختفى الحزن.
وحل مكانه غضب شديد.
قال بصوت منخفض لكنه مخيف:
«لا يملك وساماً؟»
ثم رفع صوته فجأة:
«هل تعرفون لماذا لا يملك هذا الرجل وساماً؟!»
لم يجرؤ أحد على الإجابة.
مد الجنرال يده وأشار إلى بيرتينغ.
وقال:
«لأن مهمته كانت سرية.»
توقف لحظة.
ثم قال ببطء واضح:
«سرية للغاية.»
«مهمة لا يمكن كتابتها في الصحف.»
«ولا يمكن التحدث عنها في الاحتفالات العامة.»
«ولا يمكن حتى ذكر تفاصيلها أمام الناس.»
اقترب الجنرال أكثر.
وأمسك بذراع بيرتينغ المليئة بالندوب.
رفع الذراع قليلاً حتى يراها الجميع.
وقال بصوت حاد:
«الندوب التي تضحكون عليها…»
نظر إلى مانغ كانور مباشرة.
«هذه الندوب حصل عليها لأنه ألقى بنفسه فوق قنبلة يدوية.»
ارتجف بعض القرويين.
تابع الجنرال:
«لقد فعل ذلك ليحمينا.»
«ليحميني أنا.»
«وليحمي كل الجنود الذين كانوا معي.»
ساد الصمت.
صمت ثقيل… كثيف… كأن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن يتحرك.
لم يعد أحد يتكلم.
لم يعد أحد يضحك.
حتى الكؤوس التي كانت ترتطم ببعضها قبل دقائق توقفت أصواتها تماماً.
أشار الجنرال إلى الندبة الكبيرة الممتدة على وجه بيرتينغ.
كانت الندبة طويلة، عميقة، واضحة تحت ضوء الشمس.
وقال بصوت بطيء:
«أما هذا الجرح…»
توقف لحظة، كأنه يستعيد في ذهنه ما حدث في ذلك اليوم.
ثم تابع:
«فقد حصل عليه عندما سمح لنفسه بأن يقع في الأسر.»
ارتفعت بعض الهمسات بين القرويين.
لم يفهموا.
سمح لنفسه أن يُؤسر؟
لماذا يفعل جندي ذلك؟
نظر الجنرال إلى الوجوه المتجمعة حوله.
وجوه فضولية.
وجوه خجولة.
وجوه بدأت تفهم شيئاً لم تكن تعرفه من قبل.
قال الجنرال:
«لقد سمح لنفسه أن يُؤسر…»
وأشار بيده نحو الجبال البعيدة خلف القرية.
«ليجعل العدو يعتقد أنه آخر جندي بقي في الموقع.»
توقف قليلاً.
ثم أكمل بصوت أكثر هدوءاً:
«حتى يتمكن باقي الفصيل من الهرب.»
لم يعد أحد يتنفس بصوت مسموع.
قال الجنرال:
«كان بإمكانه أن يهرب معهم.»
«كان بإمكانه أن ينقذ نفسه.»
«لكنّه اختار أن يبقى.»
خفض صوته أكثر.
وقال:
«لقد عُذّب.»
ساد صمت آخر.
ثم قال:
«ضُرب.»
«كُسرت بعض عظامه.»
«استُجوب لساعات طويلة.»
«أيام طويلة.»
«ليالٍ طويلة.»
نظر الجنرال إلى الندوب التي تغطي ذراعي بيرتينغ.
وقال:
«لكنّه لم يتكلم.»
«لم يخبرهم بأي شيء.»
«لم يخبرهم أين ذهب باقي الجنود.»
«لم يخبرهم عن موقعنا.»
«لم يخبرهم حتى باسمي.»
بدأ بعض القرويين يشعرون بقشعريرة تسري في أجسادهم.
لم يعودوا ينظرون إلى الندوب كما كانوا يفعلون قبل قليل.
لم تعد تبدو قبيحة.
بل أصبحت مخيفة…
ومهيبة.
شحُب وجه مانغ كانور.
الرجل الذي كان يسخر قبل دقائق.
بدا الآن وكأنه لا يعرف أين يضع عينيه.
أما النساء اللواتي كنّ
لم تعد أي منهن تهمس.
صرخ الجنرال فجأة.
كان صوته هذه المرة مليئاً بالغضب والامتنان معاً:
«لولا هذا الرجل…»
وأشار إلى بيرتينغ.
«لكنا جميعاً قد متنا!»
ارتجفت بعض الأكتاف في الحشد.
ثم ضرب الجنرال بيده على صدره بقوة.
وقال:
«لكنـت أنا ميتاً!»