تخلّوا عنهم أولادهم بعمر الـ70… فلقوا بيت مخبّى بالجبل!
تخلّى عنهما أبناؤهما في السبعين من العمر، فاكتشفا منزلًا مخفيًا وما كان في داخله تركهما بلا كلمات.
كانت روزا راميريز تشدّ على مقبض حقيبتها الحمراء كما لو أنّ ذلك الفعل وحده كفيل بألا ينهار العالم تمامًا.
أمامها، وضع المأمور القضائي الختم على باب المنزل الذي عاشت فيه ثلاثة وأربعين عامًا.
صدر صوت الشريط اللاصق كضربة جافة. نهائية.
كانت كلمة حجز معلّقة في الهواء، يرافقها صمت الجيران المزعج وهم يراقبون من بعيد وشمس الخريف التي بدت عاجزة عن تدفئة أي شيء.
إلى جانبها، عدّل أرماندو حقيبته الزرقاء على كتفه وابتلع ريقه.
كان في الحادية والسبعين من عمره، وظهره قد حمل ما يكفي وزاد محرّكات مفككة، صناديق أدوات، أيامًا لا تنتهي في ورشة الميكانيك وها هو الآن يحمل عار الخروج بلا سقف وبلا أحد ينتظرهما.
إلى أين سنذهب الآن يا أرماندو؟ سألت روزا بصوت مكسور، كأن كل كلمة تنتزع جزءًا من كبريائها.
نظر أرماندو إلى الشارع المرصوف بالحجارة في البلدة. تلك الحجارة الاستعمارية التي كنستها روزا مرات لا تُحصى. الحجارة نفسها التي شهدت كبر أطفالهما.
أراد أن يختلق إجابة. عنوانًا. يقينًا.
لكن ما وجده لم يكن سوى تعب قديم.
لا أعلم يا عزيزتي لم أعد أعلم شيئًا.
لم يكن الأصعب هو البنك ولا الرهن العقاري.
الأصعب كانوا الأبناء.
فرناندو، الأكبر، لم يحاول حتى إخفاء
دبّروا أموركم بأنفسكم.
قالها كما لو أنّ سنوات الحفاضات، والحمّى، والمدرسة، والتضحيات، والليالي بلا نوم، كانت دينًا سُدّد.
أما بياتريث، الابنة الوسطى، فكانت أكثر برودًا
لا أستطيع تحمّل مسؤولية أخطائكم.
وأما خافيير، الأصغر
فلم يردّ أصلًا.
لا اتصال. لا رسالة. لا شيء.
فراغ كامل يؤلم أكثر من صرخة.
سارا بلا وجهة.
جلسا في الساحة يراقبان العائلات أطفال يركضون، أزواج يحملون أكياس الخبز، أجداد يمسكون بأيدي أحفادهم.
كانت روزا ترى تلك المشاهد كما لو أنها من فيلم آخر.
وفي الوقت نفسه، كان صدرها يحترق، لأنها تعلم أنها كانت يومًا تلك الأم التي تركض إلى المستشفى حين يسقط طفل التي تعدّ النقود لشراء الدفاتر التي تخيط الأزرار ليلًا ليذهب أبناؤها بملابس لائقة إلى المدرسة.
أتذكر حين كسر فرناندو ذراعه؟ همست روزا قضينا الليل كله في المستشفى.
أومأ أرماندو وعيناه دامعتان.
كان يتذكر كل تفصيل رائحة المطهّر، اليد الصغيرة التي تضغط إصبعه، الخوف المخبوء خلف كلمات مطمئنة.
كان يتذكر بياتريث حين أصيبت بالتهاب رئوي.
وخافيير وهو يبكي من الكوابيس.
والمائدة المعدّة دائمًا رغم قلّة المال.
لم يكن هناك ضرب ولا إهمال.
ولا إذلال.
كان هناك عمل وصبر وحنان.
ومع ذلك، حين احتاجا إلى المساعدة أكثر من أي وقت كان الردّ بابًا يُغلق في وجهيهما.
حين بدأ الغروب يلوّن
شعرت روزا بساقيها ترتجفان.
نظر أرماندو حوله باحثًا عن زاوية ظل، مكانًا يتنفسان فيه دون أن يشعرَا أن العالم يدفعهما بعيدًا.
هناك، على تلك التلّة قال لنصعد قليلًا. لعلنا نجد مكانًا نستريح فيه.
كان الصعود قاسيًا.
حجارة سائبة.
شجيرات جافة.
أرض تتفتت تحت الأقدام.
كانت روزا تستند إلى ذراع أرماندو
وأرماندو يستند إلى كبريائه.
ذلك الكبرياء العنيد لرجل لا يريد أن ترى زوجته استسلامه.
وقبل أن يبلغا القمة بقليل، أوقفت روزا خطواتها.
بين الشجيرات والصخور، كما لو أن الجبل يخفي سرًا، بدا قوس حجري، وداخله باب خشبي داكن أكل الزمن أطرافه.
أرماندو انظر. هذا ليس بابًا عاديًا.
عدّل نظارته واقترب بحذر وفضول.
كان الباب مغروسًا في الصخر، كما لو أن أحدًا قرر منذ زمن بعيد أن يمنح ذلك المكان مدخلًا.
حاولت النباتات تغطيته، لكنها لم تفلح تمامًا.
شعرت روزا بقشعريرة.
ليس من البرد بل من إحساس غريب بأنها وقفت هنا من قبل، رغم يقينها أنها لم تفعل.
هل يعيش أحد في الداخل؟ همست.
طرق أرماندو برفق.
ارتدّ الصوت بطريقة غريبة، كما لو أن خلف الباب هواءً غرفًا.
لم يُجب أحد.
حاول دفعه. كان مغلقًا.
ثم، بدافع حدسي تقريبًا، رفع حجرًا موضوعًا بعناية فوجد مفتاحًا قديمًا صدئًا.
شدّت روزا على ذراعه.
لا يا أرماندو قد ندخل في مشكلة.
قال بهدوء حزين
وأي مشكلة أسوأ من النوم في العراء؟ ستكون ليلة واحدة فقط. غدًا نبحث عن أصحاب المكان ونشرح لهم.
لم تُجب.
وكان صمتها استسلامًا.
وحين أدار أرماندو المفتاح في القفل
صدر صرير عميق من الباب، كأنه يعلن أن خلف تلك الخشبة العتيقة لا ينتظرهما مجرد مأوى
بل حقيقة قادرة على تغيير كل شيء.
خرج من الداخل هواء بارد، تفوح منه رائحة رطوبة ممزوجة بشيء حلو على نحو مدهش، كرائحة الخشب العتيق والفواكه المجففة. دخلا ببطء، يتحسسان طريقهما في العتمة. أشعل أرماندو الولاعة الصغيرة التي يحملها دائمًا ارتجفت الشعلة وأضاءت حجارة منحوتة، وأرضية خشبية محفوظة بعناية وفجأة بدا المكان لا ككهف مرتجل، بل كمنزل.
حبست روزا أنفاسها. كانت هناك أرائك بالية لكنها متينة، طاولة، مطبخ بموقد حطب، رفوف مليئة بالمعلبات، وفي العمق ظل غرفة نوم. كل شيء منظم أكثر مما ينبغي ليكون مخبأ مهجورًا. والأكثر إثارة للقلق كانت المائدة معدّة. طبقان، فنجانان، وأدوات موضوعة بعناية، كما لو أن أحدًا قطع عشاءه وسيعود في أي لحظة.
هذا هذا غير ممكن همست روزا.
وجد أرماندو مصباح زيت على الطاولة وأشعله بحذر. أضاء الضوء الذهبي تفاصيل جعلت جلديهما يقشعر أغطية مطوية، حطب مقطوع، مخزن عامر. ذلك المنزل لم يكن موجودًا فحسب؛ بل كان
في المطبخ، على الطاولة، كانت هناك رسالة. ورق أصفر، وخط رقيق.