في جنازة ابنتي همست عشيقته لقد فزت… لكن عندما قُرئت الوصية انقلب كل شيء رأسًا على عقب!
في جنازة ابنتي، همست لي عشيقته أنا التي فزت إلى أن طلب المحامي من الجميع الصمت وبدأ بقراءة الوصية.
وفي اللحظة التي بلغت فيها مراسم الجنازة تلك النقطة التي يبدو عندها العالم وكأنه يتوقف، انفتحت أبواب الكنيسة فجأة.
ارتدّ صوت كعبٍ عالٍ على أرضية الرخام، مرتفعًا، جافًّا، نشازًا وسط الحزن. كأن أحدًا يصفّق لمأساة.
استدرتُ.
دخل ألفارو، زوج ابنتي، وهو يضحك.
لم يمشِ ببطء، لم يرسم إشارة الصليب، لم يُبدِ حتى أبسط علامات الاحترام التي يقوم بها الناس بدافع العادة. دخل كما لو كان متأخرًا عن احتفال، لا عن وداع زوجته. كان يرتدي سترة أنيقة بلا عيب، وشعره مصففًا بعناية، وعلى ذراعه شابة ترتدي فستانًا أحمر وابتسامة واثقة أكثر مما ينبغي لمن تقف أمام نعش.
شعرتُ بأن العالم ينهار تحت قدميّ.
بدأ بعض الحضور يتهامسون، وتجمّد آخرون في أماكنهم. وضعت سيدة يدها على فمها. وبقي الكاهن صامتًا والكتاب مفتوح بين يديه. أما ألفارو فقال بصوت مرتفع
عذرًا على التأخير الازدحام في وسط المدينة لا يُطاق.
نظرت المرأة ذات الفستان الأحمر حولها بفضول، كأنها تدخل مكانًا جديدًا. ثم وقعت عيناها عليّ. وعندما مرّت بقربي، انحنت قليلًا، كأنها ستقدّم تعازيها لكنها همست ببرودة ما زالت تحرقني
يبدو أنني أنا التي فزت.
في تلك اللحظة، انكسر شيء في داخلي إلى الأبد.
أردتُ أن أصرخ. أن أندفع نحوهما، أن أمزّق ذلك الفستان الأحمر بيديّ، أن أدفع وجهها إلى الأرض. أردتُ الكثير لكنني لم أفعل شيئًا. أطبقتُ على فكيّ، ثبّتُّ نظري على النعش، وأخذت نفسًا عميقًا. لأنني لو فتحت فمي، لما خرج صراخ، بل شيء أشبه بزئير حيوان جريح.
كانت لوسيا تأتي إلى بيتي في بعض الليالي مرتدية أكمامًا طويلة في عزّ الحر.
أشعر بالبرد فقط يا أمي، كانت تقول.
وكنتُ أتغافل وأتظاهر بالتصديق.
وفي مرات أخرى، كانت تحمل ابتسامة مصطنعة، وفي عينيها ذلك البريق الذي تعرفينه حين يكون أحدهم قد بكى في الخفاء ثم غسل وجهه حتى لا يلاحظ أحد.
ألفارو متوتر فحسب، كانت تكرر، وكأن تلك الجملة تبرر كل شيء.
كنت أقول لها
تعالي وأقيمي معي يا ابنتي. هنا أنتِ بأمان.
فتجيبني
لا يا أمي سيتغير. عندما يولد الطفل سيتغير.
ومن لا يريد أن يصدق ابنته حين تنظر إليه بذلك الرجاء اليائس؟
جلس ألفارو في الصف الأمامي كأنه صاحب المكان. عقد ساقيه، ووضع ذراعه حول خصر المرأة ذات الفستان الأحمر. ولزيادة الاستفزاز، أطلق ضحكة خافتة عندما نطق الكاهن بعبارة الحب الأبدي.
شعرتُ بالغثيان.
في تلك اللحظة رأيت خافيير موراليس، محامي لوسيا، ينهض من أحد المقاعد الجانبية. لم أكن
عندما وصل إلى المذبح، تنحنح وقال بصوت حادّ اخترق السكون
قبل الدفن، عليّ تنفيذ تعليمات قانونية صريحة تركتها الراحلة. ستُقرأ وصيتها الآن.
سرت همهمة في الكنيسة كالموجة.
ضحك ألفارو ضحكة قصيرة متعالية.
وصية؟ قال بازدراء. زوجتي لم يكن لديها ما لا أعرفه.
نظر إليه خافيير بثبات، لا بغضب، بل بيقين.
سأبدأ بذكر اسم أول مستفيد.
ثم نطق باسمي
ماريا غوميث، والدة المتوفاة
شعرتُ بقلبي يرتفع إلى حلقي حتى كدت أختنق. تشبّثتُ بحافة المقعد الخشبي كي لا تسقط بي ساقاي. أنا التي أمضيت حياتي أعمل، وأرعى، وأصبر، وأكتم يُنطق اسمي فجأة في آخر وصية كتبتها ابنتي بيدها المرتجفة. كأن لوسيا، حتى بعد أن أُسدل عليها التراب، مدت يدها من وراء الغياب لتقول لي ما زلتُ هنا يا أمي.
نهض ألفارو بعصبية، كمن لُدغ فجأة.
ماذا تقول؟ لا بد أن هناك خطأ! صرخ وهو يلتفت يمنة ويسرة، يبحث عن نظرة تأييد، عن رأس يهزّ بالموافقة، عن شخص يقول له إن الأمر مجرد سوء فهم.
لكن لم يرد عليه أحد.
فتح خافيير الظرف بهدوءٍ لا يشبه عاصفة الكلمات التي بدأت تشتعل في القاعة. أخذ يقرأ ببطءٍ مقصود، كما لو كان يمنح
تترك المرحومة لوسيا غوميث، تحت إدارة والدتها ماريا غوميث وبدأ يسرد.
المنزل الذي كانت تعيش فيه. الحسابات المصرفية. المدخرات. السيارة. كل ما جنته بعملها وسهرها وتعبها. ثم توقف لحظة قصيرة، وواصل
كما تترك صندوقًا ماليًا خاصًا أُنشئ قبل ستة أشهر
ارتعش صدري. صندوق؟ لم تكن قد أخبرتني. لمحتُ في ذهني لياليها الطويلة، حين كانت تجلس صامتة تحدق في الفراغ، وكنت أظنها تستسلم. لكنها لم تكن تستسلم. كانت تخطّ طريقًا سرّيًا للخروج.
لم يكن الصندوق ثروة هائلة، ولم يكن كنزًا أسطوريًا. لكنه كان كافيًا ليفتح بابًا. ليصنع مخرجًا حيث لم يكن سوى جدار صلب. كان كافيًا ليقول إن ضاقت الدنيا، فهنا منفذ.
صرخ ألفارو، وقد احمرّ وجهه
هذا عبث! أنا زوجها! كل شيء يعود لي! أنا الوريث الطبيعي!
ضمّت المرأة ذات الفستان الأحمر شفتيها بقوة. لم تعد تبتسم. لم تعد تلك الثقة المستفزة تملأ عينيها. بدا عليها الارتباك، وكأن الأرض التي كانت تظنها ثابتة بدأت تتصدع تحت قدميها.
رفع خافيير يده طالبًا الصمت، وصوته ظل ثابتًا
أود أن أضيف أن السيدة لوسيا تركت سجلًا قانونيًا بشكاوى تتعلق بعنف منزلي. كما تركت رسائل نصية، وتسجيلات صوتية، وتقريرًا طبيًا موثقًا.