تلقيتُ اتصالًا من ابني بعد عامين من وفاته… وما كشفه غيّر حياتي بالكامل.
توفي ابني قبل عامين. الليلة الماضية، عند الساعة الثالثة وسبع دقائق فجرًا، اتصل بي وهمس: «أمي… افتحي لي. أشعر بالبرد».
عند الساعة الثالثة وسبع دقائق من الفجر أيقظني رنين الهاتف.
لم يكن رنينًا عاديًا. ذلك اللحن احتفظتُ به لشخص واحد فقط، للاسم الوحيد الذي ما زال يؤلمني أن أنطقه بصوت مرتفع: إلياس، ابني.
فتحتُ عينيّ في الظلام، ورأيتُ الضوء الأزرق للهاتف على الطاولة الصغيرة. كانت الشاشة ترتجف، أو ربما كانت يدي هي التي ترتجف.
«إلياس ❤️»
شعرتُ بأن صدري ينغلق كبابٍ صدئ. بقيتُ جالسةً، جامدةً، وفمي جاف. كان إلياس قد توفي منذ عامين. أنا نفسي نظّمتُ قداسًا بلا جثمان، لأن البحر لا يعيد ما يبتلعه. أنا نفسي احتضنتُ صورته حتى جفّت دموعي. فكيف إذن… يظهر اسمه الآن، يتصل بي في عمق الليل؟
أجبتُ بإصبعٍ مرتجف، وكأن الجهاز يحرقني.
— ألو؟
ثانية من الصمت. ثم صوتٌ أجشّ، عميق، مألوف إلى حدٍّ شطر روحي نصفين.
— أمي… افتحي الباب. الجو بارد جدًا هنا في الخارج.
انحبس الهواء في حلقي. ذلك الصوت… سمعته آلاف المرات: حين كان طفلًا يطلب مزيدًا من الأتولِه، وحين كان شابًا يقول لي «لا تقلقي»، وحين صار رجلًا كأنني أنا من يحتاج الحماية.
— إلياس؟ — همستُ بصعوبة، وبدا صوتي غريبًا
لكن المكالمة انقطعت فجأة.
بقيتُ ممسكةً بالهاتف عند أذني، أستمع إلى الفراغ. سال عرقٌ بارد من عنقي إلى ظهري. نهضتُ دون أن أشعل الضوء، وعبرتُ الممر الطويل في منزلي، وهو قصر كبير أكثر مما ينبغي لامرأتين وذكرى.
أنا إيلينا مونتييل، مكسيكية، أبلغ من العمر أربعةً وستين عامًا، أرملة منذ زمن، أعيش في ضواحي غوادالاخارا. بعد وفاة ابني ظننتُ أن ما تبقّى لي من العمر سيكون صمتًا، يتردّد فيه صدى خطواته في الغرف. لكن في تلك الليلة، انكسر الصمت.
طرقتُ باب غرفة كنّتي.
— فالنتينا! فالنتينا، افتحي!
فُتح الباب فجأة. ظهرت فالنتينا روخاس، كنّتي، بشعرٍ أشعث وعينين متورّمتين من النوم.
— ما الأمر الآن يا أمي؟
أمسكتُ بذراعها وأنا ألهث.
— إلياس اتصل بي. قال… قال إنه عند الباب. وإنه يشعر بالبرد.
عقدت فالنتينا حاجبيها.
— لقد رأيتِ كابوسًا مجددًا. عودي إلى السرير يا أمي.
وفي تلك اللحظة، دوّى جرس الباب طويلًا وبإلحاح.
تجمّدت فالنتينا في مكانها.
— لا… — تمتمت — لا يمكن.
نزلت الدرج مسرعة. تبعتها. ألصقت عينها بالعين السحرية.
وأطلقت صرخة مدوّية.
— لا تعد! اذهب! لقد عاد… عاد لينتقم!
اقتربتُ أنا أيضًا، وألصقتُ عيني بالعين السحرية.
لم يكن هناك أحد.
في تلك الليلة لم أنم.
بعد ثلاثة أيام، اهتزّ الهاتف مرة أخرى.
«إلياس ❤️»
أجبتُ وأنا أبكي.
— أمي، أنا هو. أنا حي. سأشرح لكِ لاحقًا. غدًا، عند الساعة التاسعة، تعالي وحدكِ إلى مقهى «لا سومبرا». وإياكِ أن تخبري فالنتينا بأي شيء.
انتهت المكالمة.
كيف يمكن لابنٍ دُفن بلا جثمان أن يكون حيًا… ولماذا كانت زوجته نفسها تخشى عودته؟
الحقيقة لم تكن لتعيد ميتًا إلى الحياة فحسب… بل كانت ستكشف قاتلة.
في تلك الليلة عادت فالنتينا تحمل أكياسًا من متاجر فاخرة وابتسامة مشرقة.
— أمي، اشتريتُ لكِ وشاحًا جميلًا. جرّبيه.
كان الحرير الأخضر الزمردي ناعمًا، لكنه بدا لي كأفعى. قرّبته من عنقي متظاهرةً بالامتنان.
— شكرًا يا ابنتي.
عندما صعدتُ إلى غرفتي شعرتُ بنظرتها تلاحقني، متوجسة، كأنها تشمّ أسراري.
في اليوم التالي استيقظتُ قبل الفجر. ارتديتُ فستانًا رماديًا بسيطًا، جمعتُ شعري، ونزلتُ محاوِلةً أن أبدو طبيعية. كانت فالنتينا في المطبخ تُعدّ إبريقًا من شاي الأعشاب.
— استيقظتِ باكرًا يا أمي. أعددتُ لكِ شايًا، سيساعدكِ على الاسترخاء.
كان عبير البابونج والنعناع يهدئني في الماضي، أما الآن فأثار اشمئزازي. تناولتُ الفنجان، تظاهرتُ برشفة، وتركته كما هو.
— إنه ساخن. سأشربه بعد قليل.
ابتسمت فالنتينا،
كذبتُ وقلتُ إن لدي موعدًا مع السيدة سوتو في نادي القراءة. استقللتُ سيارة أجرة، وكنتُ طوال الطريق أضغط حقيبتي كأنها تحتوي حياتي.
كان مقهى «لا سومبرا» مختبئًا في زقاق ضيق. في الداخل تفوح رائحة القهوة المحمّصة والصحف القديمة. رأيته في الخلف، جالسًا إلى طاولة قرب نافذة تتدلى منها نباتات متسلقة.
توقف قلبي… ثم اندفع.
حين التفتَ، عرفته رغم نحوله والهالات الداكنة تحت عينيه والندبة الصغيرة على جبينه. عيناه ظلتا عيني ابني.
— أمي…
تشبثتُ به كما تتشبث الأم بمعجزة عادت من الغياب.
— أين كنت؟ ولماذا… لماذا فعلتَ بي هذا؟ — سألته بين دموعي.
أغمض إلياس عينيه كمن يبتلع حجارة.
— سامحيني. لم أستطع العودة قبل الآن.
أجلسني وخفّض صوته.
— أمي، أريدكِ أن تجيبي عن شيء. ماذا قالت لكِ فالنتينا عن ليلة «موْتي»؟
أخبرته بما ظلّت تردده عامين: حفلة على يخت، كحول، «قفز»، «رأيته يغرق»، «لم أستطع إنقاذه». كل عبارة كانت تحرقني.
قبض إلياس يديه.
— كل ذلك كذب. تلك الليلة سمعتها تتحدث في الهاتف. كانت تقول إن وثيقة التأمين… وإنكِ… وإن نوبة قلبية مفاجئة… وإن أحدًا لن يشك.
شعرتُ بأن الأرض تميل.
— أن تقتلني؟
— نعم. واجهتُها.
غطيتُ فمي.
— كيف نجوت؟
تنفّس بعمق.