قال لها ستموتين قريبًا… فابتسمت وأفشلت خطته في اللحظة الأخيرة

لمحة نيوز

وجهه. ارتسمت عليه دهشة خاطفة سرعان ما حاول إخفاءها.
هل سمعتني سأل وهو ينحني أكثر.
حلمت قالت ببطء وشفتيها ترتجفان كما لو كانت تهذي أنك تعد ممتلكاتي.
ضحك ضحكة خفيفة مصطنعة أقرب إلى السعال.
هلوسة يا عزيزتي. استريحي.
لكن يده الممسكة بالملف كانت ترتجف بوضوح.
في تلك الليلة حين ظن أنها عادت إلى صمتها المطبق وقع ورقة على انفراد في زاوية الغرفة مستغلا لحظة انشغال الطاقم. لم ينتبه إلى الهاتف الصغير المثبت على الطاولة المجاورة ولا إلى عدسة التقطت صورة واضحة للورقة وتوقيعه.
كانت كارمن قد سبقت خطوته بلحظة.
في الصباح تلقى المستشفى إخطارا رسميا مراجعة عاجلة للتوكيلات وتعليق الصلاحيات بسبب تضارب مصالح محتمل.
موقع توماس ر. الوكيل القانوني الساري.
وصل أليخاندرو شاحب الوجه بعينين متوترتين لم يستطع إخفاء قلقهما.
ما هذا قال بحدة محاولا السيطرة على نبرته.
طلب الطبيب الهدوء وأشار إلى ضرورة الالتزام بالإجراءات. طلبت كارمن الخروج لإحضار بعض الملفات لكنها بقيت قريبة بما يكفي لسماع كل كلمة.
فتحت لوسيا عينيها تماما هذه المرة.
لم يكن في نظرتها ضعف.
هذا صوت الأشياء وهي تعود إلى مكانها قالت بهدوء.
تراجع خطوة كأن الأرض مالت تحته.
لا يمكنك تمتم.
أستطيع ردت لم أفقد قدرتي يوما. أنا فقط تركتك تظن ذلك.
دخل المحامي مسرعا يحاول احتواء الموقف بنبرة مهنية باردة وكأن الأمر لا يتجاوز سوء تفاهم إداري. لم يصرخ أليخاندرو ولم يثر ضجة كما كان يتوقع منه.
جلس على الكرسي المقابل للسرير وراح يحدق في الأرض كأن البلاط أصبح فجأة أكثر إثارة للاهتمام من زوجته التي كان ينتظر موتها.
ستموتين على أي حال قال أخيرا دون أن يرفع عينيه.
لم تكن الجملة صرخة غضب بل حقيقة قالها كما يقول المرء توقعات الطقس.
تنفست لوسيا بعمق رغم الألم الذي كان يشتعل في صدرها كجمرة لا تنطفئ. شعرت بثقل الهواء يدخل رئتيها لكنها لم تسمح له أن يخنقها.
ربما اعترفت بصوت ثابت لكن ليس مفلسة ولا وحيدة ولا مخدوعة.
رفع عينيه إليها أخيرا. لم يكن في نظرته حب ولا حتى كراهية صريحة. كان هناك شيء أكثر برودة خسارة لم يحسبها.
وقف ببطء عدل ياقة سترته ثم خرج من الغرفة دون أن ينظر خلفه.
لم يعد في الأيام التالية.
لم يرسل زهورا ولم يتصل ولم يسأل عن التقارير الطبية. كأنه كان قد أغلق ملفا وخسر صفقة فانتقل إلى غيرها.
بعد أسبوعين تغيرت كلمة واحدة في التقرير الطبي. لم تختف الخطورة ولم يتحول المرض إلى معجزة لكن عبارة حالة نهائية استبدلت باستجابة جزئية للعلاج. لم يكن ذلك انتصارا كاملا لكنه لم يكن حكما بالموت.
كان أفقا صغيرا لكنه حقيقي.
للمرة الأولى منذ دخولها المستشفى شعرت أن الزمن لم يعد عدادا تنازليا في يد غيرها.
سلمت كارمن ظرفا يحوي نسخة من كل ما وثقته صور التواقيع تسجيلات الزيارات نسخ الأوامر الطبية. ثم قدمت استقالتها رسميا وغادرت المستشفى بعقد عمل جديد في مركز بحثي مرموق ومنحة دراسية تكمل بها تخصصها الذي طالما حلمت به.
قبل
أن ترحل وقفت عند باب الغرفة لحظة ونظرت إلى لوسيا بنظرة امتنان متبادل.
لقد فعلتها قالت بهدوء.
ابتسمت لوسيا ابتسامة خفيفة لم تكن ابتسامة انتصار بل استعادة.
لا أجابت أنا فقط تذكرت من أكون.
عادت لوسيا إلى منزلها بعد شهر.
دخلته ببطء مستندة إلى عكاز خفيف. الجدران نفسها الأثاث نفسه اللوحات نفسها. لكن الهواء مختلف. لم يعد البيت ساحة انتظار لميراث مرتقب بل مساحة استعادتها امرأة من حافة الغياب.
الزنابق البيضاء التي كان أليخاندرو يتركها عند المدخل في زياراته المسرحية بقيت خارج الباب. طلبت من العامل أن يزيلها جميعا.
لا أريد رائحة لا تشبهني قالت بهدوء.
جلست قرب النافذة المطلة على الحديقة الصغيرة. كانت الشمس في آخر النهار تلامس الزجاج بلطف كأنها تحاول التسلل إلى الداخل دون استئذان. الألم ما زال يسكن جسدها والدواء لم يكن سحرا لكن الخوف لم يعد موجودا.
وذلك وحده كان فرقا هائلا.
طلبت ملفات الشركة. لم تنتظر أحدا ليقرأ لها ما يخصها. أعادت توزيع الأسهم بعناية وسحبت بعض الصلاحيات التي كانت قد منحتها بدافع الثقة. عدلت وصيتها لا بدافع الانتقام بل بدافع الترتيب.
وأضافت بندا واضحا لا يحتمل التأويل
أي قرار طبي يخصني لا يعتمد إلا بتأكيد صريح مني مهما كانت حالتي الجسدية أو الدوائية.
لم يكن ذلك تحديا لأحد.
كان حماية.
حماية لامرأة كادت تدفن وهي حية لا لأن جسدها توقف بل لأن صوتها أسكت.
في إحدى الأمسيات زارها توماس. جلس مقابلها في غرفة المعيشة
التي أعادت ترتيبها بنفسها وأزال منها كل ما كان يذكرها بالاستعراض الفارغ.
كان بإمكانك فضحه علنا قال كان بإمكانك تحطيمه بالكامل.
هزت رأسها بهدوء.
لا أريد أن أعيش ما تبقى لي وأنا ألاحق ظلاله. يكفي أنني أوقفت يده.
لكنه حاول أن يسلبك كل شيء.
حاول صححت بهدوء لكنه لم ينجح.
صمت لحظة ثم سألها
هل تخافين مما سيأتي
نظرت إلى الحديقة إلى شجرة الليمون التي لم تنتبه إليها منذ سنوات. كانت أغصانها مثقلة بثمار صفراء لم تقطف.
لا قالت أخاف فقط من أن أعود يوما إلى الصمت.
فهم توماس ما تعنيه.
الصمت الذي يجعل المرأة تبتسم حين تهان.
الصمت الذي يجعلها توقع وهي لا تقرأ.
الصمت الذي يقنعها أن الصبر فضيلة حتى حين يكون انتحارا بطيئا.
في تلك الليلة أطفأت الأنوار بنفسها. مشت ببطء نحو غرفتها دون أن تترك بابا مفتوحا خلفها كما كانت تفعل حين تخشى أن يدخل أحد دون صوت.
استلقت على سريرها. وضعت يدها على صدرها تشعر بنبض لا يزال يعمل لا بإذن أحد.
تذكرت اللحظة التي همس فيها أليخاندرو فوق سرير المستشفى. تذكرت كلماته. لم تعد تؤلمها.
لقد تحولت من سكين إلى درس.
وللمرة الأولى منذ زمن طويل نامت بلا خوف.
لم تكن تعرف كم يوما تبقى لها. ربما أسابيع ربما سنوات قليلة. المرض لم يختف والضعف لم يتلاش.
لكنها عرفت شيئا أهم من عدد الأيام.
أن حياتها ليست حسابا في يد أحد
ولا توقيعا على ورقة
ولا همسة فوق سرير ظن صاحبها أنها لا تسمع.
لقد سمعت.
وتكلمت.
واستعادت صوتها قبل أن
يستعيدها الموت.
ولذلك مهما كان عدد الأيام المتبقية فقد أصبحت كلها لها.

تم نسخ الرابط