باعت بيتها وأرضها لتعلّم أبناءها… وبعد 20 سنة عادوا بطائرات وأخذوها لمكان أبكاها!
وتابع باولو:
— «أشجع امرأة نعرفها ليست مشهورة ولا ثرية. إنها أمّ آمنت بنا حين لم نكن نملك شيئًا.»
بدأ الركاب يصفقون.
وبكى بعضهم.
كانت تيريزا ترتجف تأثرًا بينما أقلعت الطائرة.
وحين انفصلت العجلات عن الأرض، أغمضت عينيها.
— «أنا أطير…» همست.
لكن ذلك لم يكن الوجهة الحقيقية التي أعدّها لها ابناها…
ما ستراه عند نزولها من الطائرة سيغيّر حياتها إلى الأبد.
وشعرت أن تضحيات السنوات الطويلة، بكل ما حملته من تعبٍ وصبرٍ ودموعٍ خفية، قد وجدت أخيرًا مكافأتها التي تأخرت كثيرًا لكنها جاءت في الوقت الذي اختارته السماء.
بعد انتهاء الرحلة، لم يعودوا مباشرة إلى المدينة، بل اصطحباها بالسيارة نحو فايي دي برافو. كانت الطريق متعرّجة، تصعد بين الجبال وتهبط برفق، كأنها تحاكي رحلة حياتها نفسها؛ صعودًا شاقًا، وهبوطًا مفاجئًا، ثم صعودًا جديدًا بإصرار.
كانت تيريزا تجلس في المقعد الخلفي، تنظر من النافذة بدهشة طفلة ترى العالم للمرة الأولى. الأشجار الخضراء تمتد بلا نهاية، والهواء يبدو أنقى مما اعتادت عليه، والجبال تحيط بالمكان كأذرعٍ عملاقة تحرسه.
— إلى أين نحن ذاهبون؟ — سألت بصوتٍ خافت.
تبادل ماركو وباولو نظرةً صامتة في المرآة الأمامية، ثم ابتسم ماركو وقال:
— إلى مكانٍ تستحقينه منذ زمنٍ طويل.
كلما اقتربوا، بدأ يظهر لمعان البحيرة من
توقفت السيارة أخيرًا أمام منزلٍ جميل يطل مباشرة على الماء. كان أبيض الجدران، تحيط به شرفة خشبية واسعة، وحديقة صغيرة مزروعة بالزهور البرية. بدا المكان هادئًا، كأنه قطعة من حلم.
نزل ماركو أولًا، ثم فتح الباب لأمه. ساعدها على النزول برفق، كما لو كانت كنزًا هشًّا يخشى عليه من الريح.
وقفت تيريزا أمام المنزل، تحدّق فيه غير مصدّقة.
مدّ ماركو يده، وفيها مفاتيح تتلألأ تحت الشمس.
— أمي… — قال بصوتٍ مبحوح من التأثر — هذا بيتك.
نظرت إليه، ثم إلى المفاتيح، ثم إلى باولو الذي اقترب وأمسك بيدها الأخرى.
— لم تعودي مضطرة للعمل بعد اليوم — قال باولو — الآن حان دورنا لنعتني بك كما اعتنيتِ بنا.
لم تستطع الوقوف.
سقطت على ركبتيها، ودموعها تنهمر بلا محاولة لإخفائها.
— كان كل شيء يستحق العناء… — قالت بين شهقاتها — كل تامال بعته… كل فجر استيقظت فيه قبل الشمس… كل ليلة بكيت فيها بصمت حتى لا تشعرا… كل شيء.
انحنى ابناها واحتضناها على الأرض، كما احتضنتهما يومًا على الإسفلت حين كانا طفلين خائفين من العالم.
دخلوا المنزل ببطء.
لمست الجدران كما لو كانت تتحقق من أنها حقيقية. مرّرت يدها على الطاولة الخشبية، على الأريكة النظيفة، على النوافذ الواسعة
تذكّرت سقف الصفائح المعدنية الذي كان يقرع بقوة عند هطول المطر.
تذكّرت الغرفة الضيقة المستأجرة، والجدران الرطبة، والبرد في الشتاء.
تذكّرت الليالي التي كانت تضع دلاءً تحت نقاط التسريب، ثم تعود لتغطي ولديها كي لا يستيقظا.
وتذكّرت يديها المتشققتين، وظهرها المنحني، وصوت السوق الصاخب، والناس الذين كانوا يساومونها على سعر التامال كأنه لا يساوي شيئًا.
ثم نظرت حولها من جديد.
وأدركت أمرًا عميقًا.
لم تكن فقيرة يومًا.
قد تكون عاشت بلا مالٍ كافٍ، بلا بيتٍ فاخر، بلا ضمانٍ للمستقبل… لكنها لم تكن فقيرة.
لأنها كانت دائمًا غنية بالحب.
غنية بالإيمان بحلمٍ لم ترَ ملامحه بوضوح، لكنها تمسّكت به كما يتمسّك الغريق بخشبة النجاة.
في تلك الأمسية، جلس الثلاثة على الشرفة الخشبية يراقبون غروب الشمس فوق البحيرة.
تلونت السماء بالبرتقالي، ثم الأحمر، ثم البنفسجي الخافت.
انعكست الألوان على الماء، فبدت البحيرة كلوحةٍ مرسومة بعناية إلهية.
جلس ماركو إلى يمينها، وباولو إلى يسارها، كلٌ منهما يمسك بإحدى يديها، كأنهما يخشيان أن تختفي إن تركاها لحظة.
كان النسيم لطيفًا، يحمل رائحة الماء والأشجار.
وشعرت تيريزا، للحظةٍ عميقة وصامتة، كأن زوجها الراحل يبتسم من مكانٍ بعيد، راضيًا، فخورًا، مطمئنًا.
— الآن أستطيع أن أرتاح — همست
لكنها لم تكن رسالةً عادية.
فابناها لم يتعلّما الطيران فحسب.
لم يتعلّما كيف يقودان طائرة وسط السحاب ويهبطان بها بأمان.
لقد تعلّما كيف يردّان الجميل.
تعلّما أن الأحلام لا تتحقق بالموهبة وحدها، بل بظهرٍ ينحني في السوق، ويدين تتشققان من العمل، وقلبٍ لا ييأس.
وتعلّمت هي شيئًا آخر.
أن الأم حين تزرع الحب…
لا تنتظر الحصاد في اليوم التالي.
قد يمرّ موسمٌ، وقد تمرّ سنوات، وقد يمرّ عقدان كاملان.
لكن الحياة لا تنسى.
تعيد ما زُرِع…
مضاعفًا، مكرّرًا، بأجنحة.
في تلك الليلة، نامت تيريزا في غرفة تطل على البحيرة.
لم يكن هناك صوت مطرٍ على صفيح.
لم يكن هناك خوف من انقطاع الكهرباء.
لم يكن هناك قلق بشأن إيجار الشهر القادم.
كان هناك فقط صمتٌ هادئ، وأنفاس مطمئنة، وذاكرة مليئة بصورٍ صعبة تحوّلت أخيرًا إلى نور.
وقبل أن تغفو، فكّرت في كل أمٍّ تستيقظ الآن قبل الفجر.
في كل امرأة تبيع، وتنظف، وتخيط، وتكتم دموعها كي لا يرى أبناؤها ضعفها.
في كل أمٍّ لا تملك سوى الأمل.
ورفعت دعاءً صامتًا:
أن يمنح الله كل أمٍّ يومًا ترى فيه تعبها يتحوّل إلى ابتسامة.
واليوم… قبل أن تنام أنت أيضًا،
هل ستتصل بأمك؟
هل ستخبرها أن ما تفعله ليس عاديًا؟
أن تعبها لم يذهب سدى؟
أنك تطير اليوم لأن أحدهم سار حافي القدمين من أجلك؟
لأننا في النهاية، مهما ارتفعنا،
مهما سافرنا،
مهما حققنا،
نظل نحمل في قلوبنا يدًا أمسكت بنا حين كنّا ضعفاء.
فمن كان ذلك الشخص في حياتك؟