قصة فتاة فقيرة هزّت قلوب الملايين… البداية كانت في القمامة!

لمحة نيوز

في مريولها القديم. كان شعرها الرمادي مرفوعا بعناية وعيناها متعبتين لكن فيهما بريقا لا يخبو. نظرت إلى الرجل نظرة طويلة نظرة امرأة عاشت ما يكفي لتفهم أن المظاهر ليست دائما صدقا.
كاميلا ماذا فعلت هذه المرة
وجدته في المكب. هو مصاب ولا يتذكر شيئا.
اقتربت مرسيدس خطوة نظرت إلى الساعة الذهبية إلى القماش الفاخر للبدلة إلى الحذاء الجلدي الذي لم يكن ينتمي إلى طرقاتهم الترابية.
يا بني ما اسمك
ارتجف صوته وهو يجيب
لا أعلم سيدتي. لا أتذكر.
ساد الصمت لحظة ثقيلا.
الأغنياء لا يسقطون في مكبنا مصادفة قالت مرسيدس. إما أنه يهرب من شيء أو أن أحدا أراد له أن ينسى هناك.
تقدمت كاميلا خطوة أمامه كأن جسدها الصغير سور يحميه.
جدتي إنه يرتجف. لا أستطيع تركه.
نظرت مرسيدس إلى حفيدتها فرأت في عينيها شيئا لم يكن خوفا بل اختيارا. تنهدت ببطء.
ليلة واحدة. فقط ليلة. وغدا نرى.
في تلك الليلة جلسوا حول الطاولة الصغيرة. أرز بسيط فاصولياء وقطعة لحم صغيرة كان طعمها مزيجا من التعب والامتنان. أكل الرجل بصمت ثم قال
لم أتذوق طعاما كهذا منذ زمن رغم أنني لا أتذكر متى.
رأت كاميلا دمعة تلمع في عينه قبل أن يمسحها سريعا.
لم تسأله لماذا يبكي. كانت تعرف أن بعض الأسئلة تترك للوقت.
عند الفجر كان جالسا في الفناء يتأمل الساعة كما لو كانت بوصلته الوحيدة.
هل تذكرت شيئا سألته كاميلا.
ومضات فقط. الساعة منقوش عليها إلى د. س. مع الحب باتريسيا.
جلسوا إلى المائدة. قهوة خفيفة خبز قاس وصمت يفكر.
سأبيع الساعة قال فجأة. استخدموها لشراء الدواء أو لإصلاح البيت.
رفعت مرسيدس حاجبيها.
لا نأخذ ما ليس لنا.
لكنها ساعتي
وربما هي الشيء الوحيد الذي يربطك بمن كنت.
صمت طويل.
إذا دعاني أعمل قال. إن كنت سأبقى هنا أريد أن أكون نافعا.
وهكذا ولد ميغيل. اسم مؤقت لرجل مؤقت في حياة كانت تتغير ببطء. بدأ يعمل في الحديقة يحرث الأرض يسقي النباتات يحمل الأكياس الثقيلة التي كانت تثقل كتفي كاميلا. كان يتعلم كل شيء من جديد كطفل يكتشف العالم للمرة الأولى.
ومع الأيام صار وجوده جزءا من البيت. ضحكت كاميلا أكثر. نامت مرسيدس براحة أطول. وصار الفناء الصغير يمتلئ بأحاديث لم تكن تقال من قبل.
إلى أن جاء اليوم الذي رأوا فيه الرجال الثلاثة في المكب يحملون صورة.
نبحث عن رجل مفقود. هناك مكافأة كبيرة.
شعرت كاميلا بقلبها ينقبض.
تلك الليلة سقطت
مرسيدس أرضا. هرع ميغيل إليها حملها كما لو كانت كنزه الوحيد وركض نحو الشارع يطلب المساعدة. في المستشفى جلس في الممر البارد رأسه بين يديه كأنه يخشى أن يفقد ذاكرة جديدة ذاكرة هذا البيت.
التشخيص كان واضحا مشكلة في القلب. مستقرة لكن تحتاج إلى فحوص عاجلة.
نظر إلى كاميلا.
سأبيع الساعة.
لا! صرخت. إنها كل ما تبقى لك من حياتك.
ركع أمامها وضع يديه على كتفيها.
حياتي ليست في هذه الساعة. حياتي هنا معكما.
باع الساعة. دفعوا التكاليف. وتعافت مرسيدس.
ثم جاء الاسم الذي كسر الجدار في رأسه.
نبحث عن دييغو سالازار.
وفي لحظة عاد كل شيء. الشركة. الشريك روبرتو ميندوزا. الصفقة. الخيانة. الضربة على الرأس. الظلام. زوجته باتريسيا. ابنته دانييلا.
أنا هو أنا دييغو سالازار.
عاد إلى بولانكو. إلى الأبراج الزجاجية. إلى القاعات الواسعة. عانق ابنته التي كبرت في غيابه. واجه الشريك في المحاكم. وواجه نفسه في المرآة.
لكنه لم يعد الرجل نفسه.
عاد دييغو مرارا إلى الكوخ الصغير لا بصفته رجل أعمال ولا بصفته صاحب اسم معروف في الصحف بل بصفته إنسانا يبحث عن شيء لا يشترى. كان يترك سيارته الفاخرة في أول الشارع ويسير
ما تبقى من الطريق على قدميه كأنه يريد أن يشعر بخشونة الأرض تحت حذائه أن يتذكر كيف كانت الخطوات الأولى بعد أن فتح عينيه في المكب بلا اسم ولا ماض.
أحضر دانييلا معه في إحدى المرات فتاة نحيلة بعينين حذرتين اعتادت الجدران اللامعة والسقوف العالية. جلست على الكرسي الخشبي ذاته الذي جلس عليه والدها يوم كان يدعى ميغيل. أكلت الأرز ذاته وغمست الخبز في الفاصولياء ذاتها وضحكت للسبب ذاته الذي جعل أباها يبتسم يوما لأن البساطة حين تكون صادقة تشبه الدفء.
في البداية كانت دانييلا تنظر حولها بفضول مشوب بالدهشة. لم تكن تعرف كيف تتحدث إلى كاميلا ولا كيف تبدأ صداقة في مكان لم تعشه من قبل. لكن الأيام صنعت بينهما جسرا هادئا. كانت كاميلا تريها الحديقة تشرح لها كيف تزرع الكزبرة وكيف تنقى التربة من الحصى وكيف يسقى الجزر في الصباح الباكر قبل أن تشتد الشمس. وكانت دانييلا في المقابل تحكي عن مدرستها وعن الكتب التي تقرؤها وعن المدينة التي لا تنام.
ومرت الأعوام كما تمر الريح على البيوت الصغيرة تترك أثرا خفيفا لكن عميقا.
باتريسيا التي اعتادت حياة من الأضواء والمناسبات وجدت نفسها تبدأ من جديد. لم يكن
الأمر سهلا. خسرت جزءا من ثروتها وخسرت صورة كانت

تم نسخ الرابط