طردوني بعد يومين من القيصرية… لأن قناة أخي أهم من أماني!

لمحة نيوز

كل العائلات تمر بسوء فهم
لكنني كلما اقتربت من فكرة الصمت أعود إلى تلك اللحظة في غرفة المستشفى.
رائحة المعقمات.
الضوء الأبيض القاسي.
جسدي المنهك بعد العملية.
وجهي الشاحب في المرآة الصغيرة المثبتة على الحائط.
أتذكر وجه والدي الجاد الذي لم يتغير كثيرا منذ طفولتي حين كان يقول إن النجاح يحتاج تضحية.
أتذكر جملته التي انغرست في صدري أكثر من ألم الجرح
فكري أين ستبقين.
لم تكن نصيحة.
كانت تلميحا.
وكان التلميح أوضح من أي تهديد.
أتذكر صوت أمي بنبرتها التي تختلط فيها الواقعية بالقسوة وهي تقول
لا تلعبي دور الضحية.
كأن الألم اختيار.
كأن الجرح تمثيل.
كأن جسدي الذي خضع لجراحة كبرى مجرد مسرح.
كنت ضعيفة جسديا نعم.
لم أكن أستطيع الوقوف طويلا ولا حمل طفلي دون أن أشعر بوخز في بطني.
لكنني لم أكن مخطئة.
الخطأ لم يكن في دموعي.
الخطأ لم يكن في طلبي للأمان.
الخطأ لم يكن في رغبتي
في أن أعود إلى بيت يحتويني لا إلى بيت يذكرني بأنني عبء.
الكلام لم يمزق العائلة.
الكلام كشف ما كان متصدعا أصلا.
الشقوق لم تبدأ يوم تحدثت.
كانت موجودة منذ سنوات لكننا كنا نضع فوقها طبقات من الصمت ومن المجاملات ومن عبارة هكذا هي الأمور.
ربما لو صمت لبقي كل شيء كما هو ظاهريا.
قناة تنمو.
بيت هادئ في الصور.
عائلة متماسكة في المناسبات.
ابنة تبتسم أمام الكاميرا وتبتلع ألمها بعد إطفائها.
لكن داخلي كان سيتآكل ببطء.
كنت سأتعلم أن أساوم على نفسي كي أحصل على القبول.
وأسوأ من ذلك
كان برونو سيتعلم أن الصمت هو ثمن البقاء.
لا أريده أن يتعلم ذلك.
لا أريده أن يكبر وهو يظن أن الحقيقة خطر وأن إرضاء الآخرين أهم من احترام ذاته.
أريده أن يتعلم أن الحقيقة لا تحتاج صراخا لتكون قوية.
أن الحدود ليست قسوة بل حماية.
أن قول هذا يؤلمني ليس اتهاما بل إعلانا عن إنسانية.
أريده أن يعرف أن
العائلة لا تقاس بعدد المتابعين ولا بحجم المنزل ولا بعدد النجاحات التي تنشر على العناوين.
العائلة تقاس بقدرتها على الاحتواء.
بقدرتها على أن تقول لابنتها المنهكة تعالي. البيت بيتك.
أحيانا حين أنظر إلى نفسي في المرآة أرى ندبة القيصرية.
خط رفيع يمتد كذكرى لا يمكن محوها.
في البداية كنت أتجنب النظر إليه.
كنت أراه كدليل ضعف.
كأثر لما خسرته.
ثم بدأت أراه بشكل مختلف.
الندبة ليست فضيحة.
هي شهادة.
هي دليل حياة.
دليل ألم مر ولم يكسرني.
دليل أن جسدي قاوم وأنني عبرت من غرفة العمليات إلى عالم جديد وأنا أحمل روحا أخرى بين ذراعي.
وكذلك قصتي.
لم أتحدث لأنتقم.
لم أكتب لأشهر بأحد.
لم أبحث عن تعاطف مجاني ولا عن عناوين صاخبة.
تحدثت لأتنفس.
تحدثت لأن الصمت كان يخنقني.
تحدثت لأنني كنت أحتاج أن أقول ولو لنفسي أولا
هذا حدث.
وهذا لم يكن صحيحا.
اليوم حين يسألني أحدهم إن كنت نادمة لا
أجيب بسرعة.
لأن الحزن موجود.
الحزن على ما وصلنا إليه.
الحزن على المسافات التي كبرت.
على الوجوه التي تغيرت حين قررت أن أكون صريحة.
لكنني لست نادمة على أنني تكلمت.
لأن الصمت كان سيكلفني أكثر.
كان سيكلفني راحتي.
كان سيكلفني ثقتي بنفسي.
وكان سيكلفني أن أكون قدوة لطفلي.
أعرف أن الصورة اهتزت.
أعرف أن بعض الناس غادروا.
أعرف أن التعليقات لم تكن دائما رحيمة.
لكنني اليوم حين أضع رأسي على الوسادة أنام وأنا أعلم أنني لم أخن نفسي.
والآن أسألك أنت بهدوء دون ضغط دون حكم
لو كنت مكاني تخرج من مستشفى وجرحك لا يزال طريا وطفلك بين ذراعيك وبيتك يغلق في وجهك باسم المستقبل
لو قيل لك إن الصمت سيحافظ على الصورة وإن الكلام سيهزها
هل كنت ستختار صورة جميلة من الخارج حتى لو كانت تكلفك من الداخل
أم كنت ستتكلم ولو ارتجفت ولو تغير كل شيء بعدها
أحيانا لا يكون السؤال كيف نحافظ على الصورة
بل
كيف نحافظ على أنفسنا
وربما
حين نختار أنفسنا نبدأ أخيرا في بناء صورة لا تحتاج إلى تزييف.

تم نسخ الرابط