الليلة التي توقفت فيها مدينة مكسيكو… قصة ماريانا ليفي كما لم تُروَ بهدوء من قبل
المحتويات
والعشرين من أبريل كل عام يستعيد البعض صورتها ويذكرونها بالدعاء أو الكلمات الطيبة. ويعود السؤال ذاته إلى السطح ماذا حدث حقا
قد لا نحصل أبدا على إجابة ترضي الجميع. لكن ما هو مؤكد أن ماريانا ليفي رحلت شابة وتركت ألما لا يندمل في قلب أمها وأطفالها ومحبيها.
وأن ذكراها ستبقى ليس فقط بسبب الطريقة التي رحلت بها بل بسبب الحياة التي عاشتها قبل ذلك اليوم.
في عام 2005 كانت ماريانا في التاسعة والثلاثين من عمرها. لم يكن يفصلها عن بلوغ الأربعين سوى أيام قليلة ذلك المنعطف الذي تواجهه كثير من النساء بمزيج من التأمل والتجدد. كان أبناؤها في أعمار جميلة ماريا في السادسة من عمرها وخوسيه ماريا لم يتجاوز الثالثة بعد. كانت قد وجدت توازنا في حياتها بين الأمومة وبعض الظهورات المتفرقة في الوسط الفني.
لم تعد بطلة مسلسلات كما في تسعينيات القرن الماضي لكن ذلك لم يكن يقلقها. لقد تطورت ونضجت وتغيرت أولوياتها. الذين رأوها في تلك الأيام وصفوها بأنها امرأة متصالحة مع نفسها تستمتع بعائلتها من دون ضغط الحفاظ على نجومية لم تعد تحتاجها أو ترغب فيها كما كانت تفعل في سنوات سابقة.
كان مكسيك عام 2005 بلدا يعيش مرحلة انتقالية. فيسنتي فوكس المنتمي إلى حزب العمل الوطني كان يشغل منصب الرئاسة بعدما أنهى عقودا من هيمنة الحزب الثوري المؤسسي عام 2000. كانت فترة تغيرات سياسية لكنها أيضا مرحلة استمرار لوقائع مقلقة. تصاعد التوتر الأمني وجرائم العصابات وإن لم يكن قد بلغ بعد المستويات الكارثية التي سيصل إليها في سنوات لاحقة كان قد بدأ يظهر إشارات مقلقة.
مدينة مكسيكو التي يتجاوز عدد سكان منطقتها الحضرية عشرين مليون نسمة كانت تواجه معدلات مرتفعة من الجريمة. حوادث السطو والجرائم المختلفة في الشوارع أصبحت جزءا من الواقع اليومي الذي تعلم سكان العاصمة التعامل معه بحذر ممزوج بالاستسلام. وكان شارع باسيو دي لا ريفورما ذلك الشريان الأيقوني الذي يقطع بعض أهم أحياء المدينة رمزا للحداثة وفي الوقت نفسه مسرحا متكررا لجرائم مختلفة.
حاراته المتعددة كانت تنقل يوميا مئات الآلاف من الأشخاص بين بولانكو وتشابولتيبيك والمنطقة الوردية والمركز التاريخي. كان شارعا تجاريا وثقافيا وسكنيا لكنه أيضا مساحة يستغل فيها بعض المجرمين الازدحام المروري لتنفيد سرقات سريعة مستفيدين من توقف المركبات عند الإشارات.
كانت سلطات العاصمة تكافح هذه الجريمة بإمكانات محدودة واستراتيجيات غالبا ما تبدو غير كافية.
بدأت مساء التاسع والعشرين من أبريل كما أي مساء آخر بالنسبة لماريانا. كانت تخطط للخروج مع أبنائها وإنجاز بعض الأمور الشخصية والقيام بروتينات الحياة المعتادة لأم لعائلة.
كان زوجها خوسيه ماريا فرنانديز يرافقها في ذلك اليوم. استقلا سيارتهما وهي من نوع جيب ليبرتي بيضاء اللون واندمجا في حركة المرور في المدينة. كانت السماء غائمة جزئيا والحرارة معتدلة يوم ربيعي نموذجي في مدينة مكسيكو يسمح بالاستمتاع بالخروج دون حر الصيف المرهق أو برد الشتاء. كانا يسيران عبر باسيو دي لا ريفورما باتجاه الغرب.
كانت حركة السير تسير بالبطء
على جانبي الشارع كانت المباني المؤسسية ترتفع في الأفق والدوارات والنصب التذكارية تحدد الطريق والحياة الحضرية تمضي في فوضاها المنظمة المعتادة.
وفقا للرواية التي ستتداول في الساعات التالية قرابة الخامسة مساء بينما كانت سيارة ماريانا متوقفة أو تسير ببطء بسبب الازدحام اقترب رجلان على دراجة نارية.
نزل أحدهما واقترب من نافذة السائق حيث كان خوسيه ماريا وأشار إليهما بطريقة توحي بالخطر وطلب تسليم مقتنياتهما. كان هذا الأسلوب معروفا في المدينة سرقات سريعة يستغل فيها المعتدون الازدحام المروري لمهاجمة ضحايا لا يملكون فرصة للهرب السريع.
ما حدث في الدقائق التالية كان موضوع روايات متعددة بعضها متسق وبعضها تضمن اختلافات لفتت انتباه من تابعوا القضية بدقة. الرواية الرسمية أفادت بأن خوسيه ماريا سلم ما كان بحوزته وأن المعتدي توجه أيضا إلى جانب ماريانا وأخذ بعض مقتنياتها ثم فر الاثنان على الدراجة النارية بعد أن حصلا على ما أراداه.
استغرقت الحادثة نفسها دقيقتين أو ثلاثا فقط وقتا قصيرا للغاية لكنه بالنسبة للضحايا بدا بلا شك أطول بكثير.
بحسب التقارير الأولية تعرضت ماريانا لصدمة شديدة نتيجة الحادث. الخوف وتدفق الأدرينالين والرعب من الهلع الناتج عن الموقف المفاجئ أثروا على جهازها القلبي.
لاحظ خوسيه ماريا أن هناك أمرا غير طبيعي يحدث لزوجته فبدأ يقود مسرعا باحثا عن مساعدة طبية. شهود تحدثوا لاحقا لوسائل الإعلام قالوا إنهم رأوا الجيب الأبيض يسير بشكل غير منتظم مع إشارات الطوارئ مضاءة محاولا شق طريقه وسط الزحام.
في مرحلة ما بدأت ماريانا تشعر بتوعك شديد. الأعراض التي وصفت لاحقا طبيا بأنها نوبة قلبية حادة ظهرت بسرعة. خوسيه ماريا في حالة يأس حاول الوصول إلى أحد المستشفيات بينما كان يمسك بزوجته التي بدأت تفقد وعيها. كانت اللحظات حرجة. كل ثانية كانت مهمة لكن ازدحام مدينة مكسيكو لا يفسح الطريق بسهولة مهما كانت الحالة طارئة.
كانت آلاف المركبات تحيط بالجيب الأبيض الذي كانت ماريانا داخله تكافح من أجل حياتها.
أخيرا تمكنا من الوصول إلى مستشفى أنخيليس ديل بيدريغال إحدى أبرز المؤسسات الطبية الخاصة في المدينة الواقعة جنوب العاصمة. استقبل الطاقم الطبي ماريانا وبدأ فورا إجراءات الإنعاش.
الأطباء والممرضون والمتخصصون بذلوا كل ما في وسعهم لإنقاذ حياتها لكن قلب ماريانا كان قد تعرض لضرر بالغ. وعلى الرغم من كل الجهود والإجراءات الطارئة وخبرة الفريق الطبي أعلنت وفاتها في تلك الأمسية ذاتها.
كانت في التاسعة والثلاثين من عمرها على بعد أسبوع واحد فقط من بلوغ الأربعين. فقد أطفالها أمهم وفقد زوجها شريكته ووجدت تالينا فرنانديز نفسها تواجه فقدان طفل ثان أمر لا ينبغي لأي أم أن تختبره.
بدأ الخبر ينتشر أولا كهمس ثم كتأكيد ثم كصدمة جماعية. في محطات الإذاعة قطعت البرامج المعتادة لإعلان النبأ. وفي القنوات التلفزيونية مددت نشرات
ماريانا ليفي قد رحلت. ابنة تالينا فرنانديز الممثلة التي أضفت البهجة على أمسيات الملايين من خلال مسلسلاتها الأم الشابة التي كان أمامها مستقبل طويل اختفت من الحياة خلال ساعات.
كان الأثر فوريا وواسعا. ففي المكسيك تحتل شخصيات الترفيه مكانة خاصة في القلب الجمعي. المسلسلات ليست مجرد برامج تلفزيونية بل ظواهر ثقافية توحد العائلات وتخلق أحاديث في أماكن العمل والمدارس وتصنع روابط عاطفية بين الجمهور والممثلين.
لم تكن ماريانا أشهر ممثلة في ذلك الوقت لكنها كانت جزءا من جيل نشأ أمام الكاميرات وأصبحت وجها مألوفا لملايين المكسيكيين. وكونها ابنة تالينا تلك الشخصية شبه الأمومية في الإعلام المكسيكي أضاف طبقات عاطفية إضافية إلى المأساة.
تدفقت وسائل الإعلام لتغطية الحدث من كل زاوية ممكنة. اصطف الصحفيون خارج مستشفى أنخيليس ديل بيدريغال ينقلون مباشرة أي حركة أو معلومة يمكنهم الحصول عليها.
وتوجه آخرون إلى مكاتب تيليفيسا بحثا عن ردود فعل من زملاء وأصدقاء ماريانا. وبدأت مجلات الفن إعداد أعداد خاصة وألغت البرامج التلفزيونية محتواها المعتاد لتخصيص الوقت بالكامل للحديث عن حياتها ومسيرتها وظروف وفاتها.
أما تالينا فرنانديز فقد تلقت الخبر بطريقة لا يفهمها إلا من فقدت طفلين. لا توجد كلمات تصف ذلك الألم ذلك الإحساس بأن الكون قد انكسر على نحو لا يمكن إصلاحه.
كانت تلك المرأة التي أجرت مقابلات مع مئات الأشخاص في لحظات صعبة وأظهرت تعاطفا مهنيا مرات لا تحصى الآن هي من تحتاج إلى المواساة. عالمها انهار مرة أخرى.
أولا كوكو في 1998 والآن ماريانا في 2005. اثنان من أبنائها قطعتان من قلبها رحلا.
التصريحات الأولية لخوسيه ماريا فرنانديز أمام السلطات وصفت الحادثة السرقة صدمة ماريانا والاندفاع اليائس نحو المستشفى.
فتح محققو مكتب الادعاء العام في مقاطعة العاصمة ملف تحقيق. في حالات الوفاة التي تتضمن شبهة جريمة يتطلب البروتوكول إجراء تحقيق حتى وإن بدت أسباب الوفاة واضحة.
أخذت إفادات وجمعت أدلة وحاولت السلطات إعادة بناء ما حدث بدقة في تلك الأمسية على باسيو دي لا ريفورما.
جاء التقرير الطبي واضحا ماريانا تعرضت لاحتشاء حاد في عضلة القلب. الإجهاد الشديد الناتج عن السرقة أدى إلى استجابة قلبية قاتلة.
بالنسبة لكثيرين خاصة من لا يعرفون تعقيدات الجهاز القلبي الوعائي بدا من غير المعقول تقريبا أن يؤدي خوف مفاجئ إلى وفاة.
لكن طبيا هذه الظاهرة موثقة. يمكن للإجهاد الشديد أن يسبب ما يعرف بمتلازمة تاكوتسوبو أو متلازمة القلب المنكسر حيث تؤدي دفعة هائلة من هرمونات التوتر إلى ضرر مؤقت أو دائم في عضلة القلب قد ينتهي بالوفاة.
ومع ذلك بدأت منذ الأيام الأولى تظهر تعليقات وتساؤلات وملاحظات بعضها في الخفاء وبعضها يتسلل تدريجيا إلى العلن.
الجزء 2
في الأيام التالية بدأ بعض الشهود الذين قالوا إنهم كانوا قريبين من موقع الحادثة
وفي أثناء استعداد المكسيك لتوديع ماريانا ظهرت تالينا فرنانديز بقدر من الوقار والقوة كانا جزءا من صورتها العامة لعقود. رغم ألمها الهائل واجهت الإعلام وتحدثت وشكرت موجات التعاطف التي انهالت من كل أنحاء البلاد. آلاف الأشخاص أرسلوا التعازي والزهور ورسائل الدعم.
شخصيات من الوسط الفني والسياسي ومن مجالات كثيرة بنت تالينا فيها علاقات عبر مسيرتها الطويلة عبروا عن تضامنهم. وكان وداع ماريانا حدثا حضره المئات. أقيمت مراسم الجنازة في بازيليكا غوادالوبي ذلك المركز الروحي الكاثوليكي في المكسيك حيث يلجأ الملايين بحثا عن السلوى والأمل.
كانت المراسم مؤثرة وموجعة لحظات كثيرة انهارت فيها رباطة جأش الحاضرين أمام حجم الفقد. تالينا بثياب سوداء ونظارات داكنة لم تستطع إخفاء ألمها كاملا ودعت ابنتها وسط العائلة والأصدقاء وتحت أنظار ملايين تابعوا الحدث عبر التلفزيون.
كان خوسيه ماريا فرنانديز حاضرا أيضا متأثرا بوضوح وبالقرب منه طفلا ماريانا الصغيران. ماريا وخوسيه ماريا في السادسة والثالثة كانا أصغر من أن يفهما تماما معنى أن أمهما لن تعود أبدا. صور الطفلين في الجنازة بملامح حائرة بقيت من المشاهد التي ترسخ في ذاكرة بلد بأكمله.
لكن بينما كانت المكسيك تبكي ماريانا علنا بدأت في أماكن أقل ظهورا أحاديث أكثر تعقيدا. بعض الصحفيين الذين غطوا القضية بدأوا يطرحون أسئلة إضافية. لم تكن بالضرورة أسئلة مؤامرة أو نظريات خارقة بل استفسارات مشروعة حول تفاصيل لا تبدو منسجمة تماما لأن شهادات بعض الشهود لم تتطابق في كل الجزئيات.
ولأن بعض جوانب السرقة لم تتوافق تماما مع الأنماط المعتادة لهذا النوع من الجرائم في المدينة.
هل تم القبض على السارقين أو حتى التعرف إلى هويتهما كان الجواب سلبيا. الرجلان اللذان كانا على الدراجة لم يعثر عليهما قط. وفي مدينة بحجم مكسيكو حيث يستطيع المجرمون الاختفاء بسهولة وسط ملايين البشر لم يكن هذا مستغربا تماما.
معدل القضايا غير المحلولة في العاصمة كان مرتفعا. وسرقة لم تتضمن سرقة مركبة أو إصابات جسدية مباشرة للضحايا بمعزل عن أثرها على ماريانا قد لا تكون أولوية قصوى لدى سلطات مثقلة بالملفات. ومع ذلك أشار بعض المراقبين إلى أن عناصر معينة في السرد الرسمي تستحق تدقيقا أكبر.
على سبيل المثال المنطقة التي يفترض أن السرقة حدثت فيها على باسيو دي لا ريفورما ورغم أنها ليست بمنأى عن الجريمة لم تكن تعرف بأنها من أخطر نقاط المدينة. هناك حركة دائمة وشهود محتملون وكاميرات مراقبة في المباني المحيطة. وبالنسبة لسارقين يعملان على دراجة نارية كانت هناك أهداف أسهل في مناطق أقل مراقبة.
فلماذا اختيار ذلك المكان وذلك التوقيت تحديدا
سؤال آخر ظهر يتعلق بتفاصيل الحادثة نفسها. الشهود الذين تحدثوا مع السلطات
متابعة القراءة