طفل يعثر على حصانٍ مقيّد في الصحراء… لكن ما اكتشفه غيّر كل شيء! 😱🐎
يعتني أحدهما بالآخر. كانت الليلة قد انقضت حين بلغا أطراف المزرعة. لم يكن الفجر قد أشرق بعد لكن ضوءا باهتا لاح خلف التلال. تمسك أليف بالحبل بيدين مرتجفتين وقاد الحصان عبر ممر ضيق لا يتعدى كونه أخدودا في التراب.
كانت خطوات تروينو تثير غبارا يتسلل إلى حلق الطفل ويلهب عينيه. امتزج ألم الجرح بإرهاق الهرب وبخوف بدائي يضغط صدره الخوف من الانكشاف من فقدان صديقه من أن يعود وحيدا. عبرا منطقة مليئة بالأشواك. كان تروينو يعرج بشدة يرفع ساقه المصابة كلما وطئ حصاة.
كان أليف يشجعه بهمسات رقيقة
قاربنا اصمد يا تروينو اصمد.
رد الحصان بنفخة عميقة كأنها زئير مكتوم وعد بالاستمرار. شعر أليف بفخر ومحبة واثقا أن صديقه لن يخذله. كان الحقل من حولهما متاهة من صفوف الذرة ودوار الشمس الذابل. الريح تحرك السيقان اليابسة فتصدر همسا يشبه أصواتا بعيدة.
شد الطفل الحبل بحذر منتبها لأي طقطقة. نعب غراب في البعيد فارتجف أليف ورفع بصره فرأى ظلا أسود يعبر السماء. انقبض قلبه. أكان نذير شؤم لكنه تذكر وعده لتروينو بأن يصمدا معا فاستنشق الهواء بقوة ومسح دمعة وتابع. انتهى الممر إلى طريق ترابي أوسع تسلكه أحيانا عربات الصيادين المتجهين إلى النهر.
توقف أليف عند صخرة كبيرة وهمس مرتجفا
سأستريح قليلا يا صديقي نبضي متسارع.
جلس مسندا ظهره إلى الصخرة وأسند وجهه إلى ركبتيه وأغمض عينيه. شعر بنبض تروينو قريبا ثابتا. قبض يديه ليهدئ ارتعاشهما. كان يخشى أن ينام ويستيقظ في عالم لا حصان فيه. أجبر نفسه على التنفس ببطء والتركيز على دفء الزفير القادم عبر الحبل.
بعد برهة نهض وقدم لتروينو ما تبقى من خبز قاس. أخذه الحصان بحذر ومضغ ببطء كأنه يدرك أن تلك اللقمة ثمرة شجاعة. ركع أليف إلى جواره وقال
علينا عبور ذلك الجسر الخشبي. سيصر فلا تخف. أنا معك.
أمال تروينو رأسه وتقدم خطوة بثقة. شعر أليف بقشعريرة حين وطئت قدماه الألواح.
كان كل لوح يئن وينحني تحت ثقل الحصان. سار الطفل بمحاذاة رأسه متجنبا الألواح المتعفنة. ومع كل صرير يتسارع قلبه لكنهما عبرا سالمين كأن الخوف ذاب في ضجيج الجسر. بعده انحدر الطريق إلى واد كثيف الأشجار. لم ير أليف من قبل هذا العدد من الأشجار. كانت الأدغال كثيفة والعتمة شبه مطلقة. كان التنفس هناك كالدخول في كيس من الظلال.
أخرج المصباح المعطل وأشعله. ارتجف خيط الضوء بالكاد يضيء خطوات قليلة. تقدم بحذر ممسكا بالحبل شاعرا بنفس تروينو الدافئ إلى جانبه. ومع كل اهتزاز للضوء كان يتخيل أشباحا أغصانا كالأذرع جذوعا كهيئات بشرية. لعب عقله بالعتمة ملأها بمخاوف وهمية. قبض أصابعه على المصباح متمنيا نهاية الوادي. أخيرا خرجا إلى فسحة حيث بزغت شمس الصباح بين القمم.
توقف أليف وشعر بقشعريرة أمام الضوء الجديد. خفض تروينو رأسه وصهل بخفة كأنه يحتفل بانتهاء الظلام. ترك الطفل الحبل وربت على ظهر الحصان. كانت الساق المصابة رخوة لكن الحصان تحمل بكرامة. عقدت الغصة حلق أليف وفاضت مشاعر الارتياح والحب بدموع مكبوتة. جلس على صخرة وراقب الوادي خلفه حيث لا تزال الظلال متشبثة بالأدغال.
ثم نظر إلى الطريق أمامه يتلاشى بين تلال خضراء وجدول يتلوى بين أزهار برية. كان الهواء معطرا بالعشب والحرية. استعاد أليف قواه بصمت يتغذى على الشمس التي جففت دموعه ودفأت وجهه.
نجحنا همس لكن الطريق ما زال طويلا.
أسند تروينو رأسه على كتفه تأكيدا للعهد. مد أليف يده وربت على خده لمسة مفعمة بالامتنان والوعد. لم يبعد الحصان نظره.
كانت عيناه تعكسان إصرارا على المضي رغم الألم. بزفرة أخيرة التقط أليف الحبل ونهض وتابع مع تروينو. كان كل خطوة على ذلك الطريق الممزوج بالخوف تعمق رابطتهما وتحيل الرهبة شجاعة فقد تعلما أن الأمل والمحبة قادران على هداية من يعتني أحدهما بالآخر مهما اشتد وعثاء الطريق وسواد الليل. كانت الشمس تزحف ببطء فوق التلال لكن اليوم بدا لهما أبديا.
سارا ساعات طويلة على طرق منسية يعبران حقول العشب الجاف وتلالا لينة لا تمنح راحة. ضربت الشمس ظهريهما واختلط العرق بالغبار على جلد الطفل. كان تروينو يعرج أكثر فأكثر يجر ساقه المصابة بجهد ظاهر ونفسه يثقل ويبطؤ. أحيانا بدا أنه سيتوقف. حاول أليف ألا يحدق في الجرح كثيرا.
كان يعلم أن منظره سيصيبه بالهلع. كانت الضمادة متسخة وحافتها السفلى تعاود الاحمرار بالدم. المرهم البدائي الذي وضعه ليلا لم يعد ينفع ولا ماء ولا طعام سوى عزيمة عمياء على عدم العودة. عند منطقة صخرية محاطة بالشجيرات توقف أليف. كانت منخفضا صغيرا
سقط هو أيضا على الأرض الساخنة. كان فمه جافا ولسانه ملتصقا بحنكه وبطنه خاوية منذ الليلة الماضية. كان جسده يطالب بالراحة لكن عقله ظل متيقظا مدفوعا بالخوف من أن يعثر عليهما أحد ومن أن يذهب تضحية تروينو سدى وأن يكون الأمل وهما طفوليا. أطلق تروينو حين استلقى صهيلا قصيرا كأن شكوى داخلية. زحف أليف ووضع رأسه على عنقه.
أعلم أنا جائع مثلك همس لكن اصبر قليلا. لا بد أن نجد شيئا.
بقي دقائق يستمع إلى دقات قلب الحصان بطيئة ثابتة كطبل يحدد إيقاع شجاعته. ثم نهض بصعوبة وبدأ يبحث حوله. لم ينتظر معجزات فقط لقمة ثمرة يابسة بركة ماء. فتش بين الشجيرات تحت الصخور والجذور اقتلع عشبا مر الرائحة كان يعلم أنه غير سام وجمع أوراقا عريضة.
حملها في قميصه وعاد إلى تروينو الذي لم يتحرك.
ليس وليمة لكنه أفضل ما وجدت قال وهو يضع الأوراق قرب فم الحصان.
شم تروينو العشب وأكل قليلا بلا حماسة. ابتلع أليف نصيبه بصعوبة. كان طعم التراب لاذعا لكن لم يشتك. تألم معدته واشتعل حلقه فشد على أسنانه. لم يكن مسموحا له بالضعف. استلقى بجوار الحصان وحدق في السماء.
كانت غيوم كثيفة تغزو الزرقة. شعر بنسمة باردة أدرك معها اقتراب المساء. لا يمكنهما المكوث هناك ليلا لكنه لا يمكنهما المتابعة دون راحة. تقوس تحت ظل الحيوان وأغمض عينيه قليلا. ثم كذكرى تحولت لحنا بدأ يدندن. أغنية كانت أمه تغنيها له حين يمرض أو يخاف. كان صوته يرتجف لكن كل نغمة خرجت من القلب.
أدار تروينو رأسه ونظر إليه. كانت الأغنية جسرا غير مرئي بينهما. أغمض الحصان عينيه. خفض أليف صوته وبطأ اللحن حتى غفا ورأسه على التراب الدافئ.
استيقظ مذعورا. كان الجو أبرد والسماء أكثر رمادا. صهيل تروينو أيقظه. نهض فجأة وتفحص المكان. لا شيء سوى الريح تحرك الشجيرات.
اقترب وربت عليه.
اهدأ إنه الريح فقط.
لكنهما كانا يعلمان أن الأمر ليس كذلك. كان جسد تروينو يرتجف. المشي والجرح أنهكاه. شعر أليف بفراغ عميق. لا يمكن أن تنتهي القصة هكذا. لا بعد كل هذا. انحنى إلى الضمادة فكها بحذر ونظر إلى الجرح. كان مفتوحا متورما والصديد يعود للظهور.
لم يكن هناك وقت للانتظار. كان عليه أن يفعل شيئا. مزق قميصه إلى شرائط وبقبضة من طين رطب وأوراق نظيفة صنع ضمادة جديدة. سيضغط الطين ويخفف الالتهاب لساعات على الأقل. عمل بسرعة يداه موحلتان وعيناه جافتان. بقي تروينو ساكنا كأنه يقبل المحاولة اليائسة. حين انتهى سقط أليف إلى جانبه.
لا تمت ليس الآن قال بصوت خافت وعينين مغمضتين.
وعدتني أن تصمد.
لم يجب الحصان صوتا لكنه أمال رأسه حتى لامس جبين الطفل. كان ذلك الإيماء البسيط عميقا إلى حد كسر أليف من الداخل. بكى أخيرا لا كطفل ضعيف بل كقلب محطم من الظلم. بكى على أمه الغائبة على الفقر على الوحدة على السخرية والضرب. بكى لأنه لأول مرة يقاتل من أجل أحد غيره وذلك الأحد قد يموت.
مسح وجهه بساعده ونهض. كان لا بد من المتابعة ليلا إن لزم مهما طال الطريق ولو حمل تروينو بروحه.
هيا يا صديقي قليلا بعد.
ومن بين الخوف والجوع والتعب ولدت قوة صامتة لا من الجسد بل من الرابطة بين طفل وحصان أنقذا بعضهما. وبهذه القوة واصلا السير عالمين أن خلف الخوف ما زال هناك أمل.
هبط المساء بلون رمادي ثقيل يصبغ المشهد بسكينة مقلقة. تابع أليف وتروينو السير في طريق مغبر تحفه أشجار واهنة تصدر طقطقة مع الريح. كان الطفل يمسك الحبل دون شد. كان الحصان يتبعه بلا أوامر. سارا كندين يتقاسمان التعب والإيمان والصمت. كل خطوة فتح. ورغم العرج لم يعد تروينو يتوقف كثيرا.
صمدت الضمادة الطينية وإن كان أليف يعلم هشاشتها أمام جرح يحتاج عناية حقيقية لكنه لم يسمح للفكرة بالدخول. تعلم العيش في اللحظة. لاح له من بعيد عمود دخان بين الأشجار. توقف مترددا. قد يكون مدخنة مزرعة أو نارا أو أسوأ.
تردد لكن تروينو لم يعد يحتمل. كانا بحاجة ماء ومأوى ولو لساعات. تنفس بعمق وقرر الاقتراب. ربما يجدا رحمة. لم يقطعا مئة متر حتى شعر أليف بشيء مريب. صوت خافت كسر الإيقاع.
طقطقة ليست من خطواته بل من خشب تحت حذاء ثقيل. استدار بسرعة ولم ير أحدا. أصغى. شد تروينو أذنيه وتصلب عنقه. لم يكونا وحدهما. خفق قلب أليف بقوة. بحث عن مهرب لكن الطريق ضيق والأدغال كثيفة.
شد الحبل وتراجع خطوة.
ثم سمعها
ها هما.
خرج رجلان من الشجيرات. قبعتان منخفضتان قمصان متسخة. أحدهما يحمل منجلا على خصره. تعرف أليف فورا على الآخر أحد عمال المزرعة. كانت ابتسامته
كنت أعلم أنك لم تبتعد قال وهو يقترب. السيد غاضب.
تقدم أليف ووقف بينهما وبين تروينو. كان خائفا لكنه لم يتحرك.
لن يعود قال بثبات.
ضحك العامل ضحكة نابية.
أنقذت قطعة لحم بساق مكسورة وتظنها لك
لم يجب أليف.
كان ينظر في عينيه. خلفه كان تروينو يلهث لكنه لم يتراجع. تقدم الرجل الآخر ممسكا بحبل في يده.
أعطني الحبل يا صبي. لا أريد أذيتك. الحصان يعود معنا.
لا قال أليف.
إنه ملك السيد رد الأول.
فانفجر أليف
ليس ملك أحد. لا لكم ولا للسيد ولا للعالم. ليس أداة ولا عبئا. إنه صديقي وأنا اخترته حين لم يختره أحد.
ارتجف جسده غضبا وانهالت دموعه لا حزنا بل كرامة. تبادل الرجلان نظرة ارتباك. لم يتوقعا هذه الشراسة. تردد حامل المنجل لحظة وكانت كافية.
فك أليف الحبل وصرخ
اهرب يا تروينو!
انتفض الحصان وصهل بقوة وانطلق عبر الممر الضيق. حاول الرجلان الإمساك به لكن أليف اندفع وصد أقربهما بجسده. اختفى تروينو بين الأشجار. سقط أليف وأمسك العامل بذراعه بعنف.
أيها اللعين.
قال أليف بين أسنانه
أفضل أن تضربوني على أن تقتلوه. لم أعد خائفا.
خفض الرجل الآخر نظره ثم قال بهدوء
اتركه.
تردد الأول ثم أفلت يده.
نهض أليف متألما ونظر إلى الأفق. اختفى تروينو لكنه كان واثقا أنه سيعود أو ينتظر حيث لا تصل الصرخات. كان الجسد يؤلمه لكن الروح متقدة. لقد قاوم اختار وكان أكثر من طفل فقير كان شجاعا.
حين أعيد أليف إلى المزرعة مع الغروب الأحمر كانت قدماه العاريتان تجران فوق التراب الساخن. لم يقاوم. عيناه فقط كانتا مشتعلتين. وقف دون روكي في الساحة يدخن.
أين الحصان
حر أجاب أليف.
ضحك السيد بسخرية
حر حيوان مريض أعرج
أكثر حرية من كونه عبدا هنا.
ساد صمت ثقيل. اقترب دون روكي.
وماذا تكسب
نظر أليف في عينيه
لا أريد تغيير العالم فقط أن تغير نظرتك ولو لحصان.
ثم دوى وقع حوافر. ظهر تروينو من الطريق يعرج لكنه شامخ. تقدم حتى وقف أمام الطفل. فتح أليف ذراعيه حاجزا.
إن أردته فعليك المرور فوقي.
بصق دون روكي ومضى.
افعلوا ما تشاؤون.
تنفس أليف بعمق واحتضن تروينو.
وعدتك لن يؤذيك أحد بعد الآن.
وتردد تصفيق خجول ثم عم الساحة.
لم يكن ذلك من أجل الحصان ولا من أجل السيد بل من أجل الطفل الذي تجرأ على أن يحب بلا خوف. وهكذا وسط ذلك التصفيق أدرك أليف أن نضاله لم يذهب سدى لأن تغيير حياة واحدة قد يكون أحيانا تغييرا للعالم بأسره. وما إن ظل صدى التصفيق معلقا في الهواء حتى شق اللحظة صوت محرك. من مدخل المزرعة الرئيسية تقدمت شاحنة بيضاء على الطريق الترابي مثيرة غبارا كثيفا.
توقفت المركبة بصرير خفيف ونزل منها رجل طويل شعره رمادي ووجهه مجعد بفعل الشمس. كان يرتدي قميصا يحمل شعار المركز البيطري في البلدة. بدا هادئ الملامح غير أن عينيه كانتا تتحركان بتركيز كمن يقرأ المشهد قبل أن يصدر حكمه.
ما الذي يحدث هنا سأل بنبرة حازمة وهو يغلق باب الشاحنة. لم يجب أحد على الفور. عاد الصمت ليخيم على الساحة ثقيلا خانقا.
كان دون روكي قد بدأ بالابتعاد لكنه استدار بانزعاج واضح.
لم أقل لك أن تأتي في هذا الوقت المبكر يا دكتور تمتم بضيق.
أومأ الرجل ببطء دون أن يرفع عينيه عن ترينو وأليف.
تلقيت رسالتك الليلة الماضية. ظننت أن الأمر عاجل. حصان مريض على وشك أن يعدم.
قال السيد باحتقار لم يعد الأمر كذلك كان كذلك قبل أن يقيم هذا الصبي مسرحية رخيصة. وأشار بازدراء إلى أليف.
لم يبد الطبيب أي انفعال بل سار نحو وسط الساحة وتوقف على مسافة قريبة من ترينو الذي كان يراقبه بأذنين منتصبتين حذرا لكن هادئا. لم يتحرك أليف. كان يمسك بالحبل بقوة كأن كل خيط فيه امتداد لقلبه.
ما اسمك يا بني سأل الطبيب بلطف.
أليف أجاب الطفل بصوت هادئ وثابت.
وأنت من تعتني به
أومأ أليف برأسه. منذ أسابيع لم يعد أحد يريد الاعتناء به. كان مصابا تركوه.
انحنى الطبيب بجانب الحصان تفحص الضمادة البدائية وتمعن في تورم الساق. لمس بحذر أطراف الجرح وتحقق من حرارة الجسد. لم يعترض ترينو بقي ساكنا يتنفس بعمق.
هل استخدمت الطين وأوراق الميرمية سأل بدهشة خفيفة.
نعم يا سيدي ولم يكن لدي شاش فاستعملت قميصا قديما.
نهض الرجل ببطء ونظر إلى الطفل كما لو أنه يرى أمرا لم يره أحد قبله.
نعم هناك التهاب لكنه صمد أكثر مما توقعت. لا يزال لديه قوة ولديه إرادة.
ثم التفت إلى دون روكي وقال بوضوح
هذا الحصان ليس مستعدا للموت.
نفخ السيد بضيق وماذا تريدني أن أفعل أضع له غرفة مكيفة إنه عبء وتكلفة وهذا الصبي ليس حتى من أهل البيت يأكل
صمت الطبيب لحظة ثم نظر إلى أليف.
هل تعلم ما الذي فعلته
خفض الطفل رأسه مترددا. لم أسمح لهم بقتله.
قال الرجل بابتسامة خفيفة بل فعلت أكثر من ذلك. لقد أعدت له كرامته.
لمعت عيناه بدموع لم تسقط.
نظر العمال إلى الطبيب كأنهم يسمعون
حقيقة لم يجرؤ أحد على قولها من قبل.
تابع الطبيب أقترح أن آخذه معي. سأعالجه في العيادة وسأرى إن كان بالإمكان إعادة تأهيله.
ثم نظر إلى أليف نظرة ذات معنى وأود أن يأتي هذا الطفل معي. لديه غريزة راع حقيقي. لا يمكننا تجاهل ذلك.
ضحك دون روكي بسخرية الآن ستتبنى الخيول والأيتام أيضا
لكن الطبيب لم يتراجع أنت على وشك أن تدان بتهمة إهمال الحيوانات إن واصلت التعامل مع الأرواح كأنها نفايات. وإذا أردت يمكن إضافة تهمة إساءة معاملة الأطفال. لدي شهود.
ساد همس مضطرب بين العمال. لم يعد أحد يخفي نظره. كانوا ينظرون إلى دون روكي بوجوه متوترة كأنهم يرونه للمرة الأولى على حقيقته.
صمت الرجل يلوك كبرياءه ثم نظر إلى الطفل ثم إلى الحصان ثم إلى الطبيب ورفع يده بازدراء ومضى نحو منزله دون كلمة واحدة. كانت هزيمة صامتة لكنها نهائية.
تنفس أليف أخيرا بعمق. اقترب ترينو منه أكثر فاحتضنه الطفل بقوة. اقترب الطبيب ووضع يده على كتفيهما.
هيا يا بني أمامنا عمل كثير.
سأل أليف بتأثر هل يمكنني البقاء معه طوال الوقت
بالطبع لكنه الآن مسؤوليتك. لم يعد مجرد وعد بل طريق.
أومأ أليف. ولأول مرة منذ زمن بعيد شعر أن لهذا الطريق وجهة وأنه ليس وحده وأن هناك من رأى ما رآه هو منذ البداية.
بينما صعد الثلاثة إلى الشاحنة بمساعدة منحدر بدائي راقبهم العمال بصمت. أومأ بعضهم ورسم آخرون إشارة الصليب. كان الطفل الفقير والحصان الجريح يغادران لكن شيئا منهما بقي هناك شاهدا على أن الرحمة قد تزهر حتى في أكثر الأراضي قسوة.
وعندما انطلقت الشاحنة مبتعدة وسط غبار الغروب الذهبي نظر أليف من النافذة وهو يعانق عنق صديقه وشعر لأول مرة في حياته أن أحدا وصل في الوقت المناسب. شاهد غير متوقع غير مصيره إلى الأبد.
كان اهتزاز الشاحنة على الطريق الترابي أشبه بتهويدة في صدر أليف. كان جالسا في المقعد الخلفي يلف جسده ببطانية خشنة أعطاها له الطبيب. إلى جانبه كان ترينو مستلقيا على فراش بدائي من القش والخرق النظيفة. كان يتنفس بعمق منهكا لكنه مطمئن. أغمض عينيه لكنه كان يفتحهما أحيانا لينظر إلى أليف كأنه يتأكد من أنهما ما زالا معا.
لم يكن الطفل يتحدث ولا ينام فقط يراقبه بذلك المزيج من الخوف والراحة الذي يلي النجاة من أمر بدا مستحيلا. كان جسده يؤلمه من أيام السير والبرد والجوع لكن ما كان يؤلمه أكثر هو ذلك الصمت الداخلي ذلك الصوت الذي لطالما قال له إنه لا يهم. والآن ولأول مرة بدأ ذلك الصوت يخفت.
كان الدكتور إيزيكيل يقود وينظر إليهما في المرآة. لقد رأى كثيرا من الأطفال في حياته لكن في أليف كان شيء حيره. كان صغيرا هشا يداه متشققتان وعيناه جادتين أكثر من سنه. ومع ذلك فعل ما لم يفعله الكبار. حمى من لا يستطيع الكلام.
هل أنت جائع سأل بعد حين.
أومأ أليف بخجل.
لدي بعض البسكويت في درج السيارة. ليست طازجة لكنها صالحة.
أكلها ببطء لا بنهم وكأنه لا يريد أن تنتهي. وكان طعمها طعم البيت.
لماذا قررت الاعتناء به
تأخر في الإجابة. ثم قال بهدوء لأنني كنت بحاجة لأن يعتني بي أحد أيضا.
وصلوا إلى العيادة مع غروب الشمس. مكان متواضع تحيط به أشجار مثمرة وسياج أبيض وإسطبل خشبي صغير. لا ضجيج لا عنف فقط سكينة وملجأ.
أنزلوا ترينو بعناية وبدأ العلاج الحقيقي. مضادات حيوية تنظيف للجرح وربما جراحة صغيرة. كان أليف يراقب كل شيء يلمس عنق الحصان يهمس له كأن كلماته تشفي.
في تلك الليلة أخذ الطبيب الطفل إلى غرفة بسيطة. لم يطلب شيئا فقط نظر حوله بحذر كأنه لا يصدق.
قال له إيزيكيل بهدوء ما فعلته كان شجاعا لكنه كان خطيرا. هل تعرف لماذا جئت لأنني لم أر في حياتي طفلا يقاتل هكذا من أجل من لا يستطيع الكلام.
قال أليف أخيرا لم يكن لديه أحد وهو اختارني وأنا اخترته.
هز الطبيب رأسه متأثرا لن تعود إلى هناك. سأهتم بك.
ثم سأله هل تريد البقاء هنا
أجاب بعد تردد نعم بشرط أن أبقى مع ترينو.
ابتسم الطبيب هذا مضمون.
تلك الليلة نام أليف مطمئنا للمرة الأولى والرجاء يقظ في قلبه. وفي الصباح دخلت الشمس كلمسة دافئة لا كتهديد.
وجد ترينو أفضل حالا وبدأت حياة جديدة تنسج بينهما.
دخلت المدرسة زار جدته تعافى الحصان وتحول الطفل من منسي إلى صوت من مكسور إلى منقذ.
وفي النهاية
أن الحب الذي يولد من الألم قد يصبح جناحين.
وأن من يجرؤ على الرحمة يغير العالم حتى لو كان طفلا لا يملك سوى قلبه.
النهاية.