دفعتُ ثمن رحلة العمر… فطُردتُ منها عند باب الشقة

لمحة نيوز

أستطيع أن أصرخ. أستطيع أن أقول أنا التي دفعت أنا التي رتبت أنا التي لكنني أدركت في لحظة قصيرة أن الصراخ لن يعيد كرامة سقطت. الصراخ سيسعدهم لأنه سيجعلهم يرونني أتشبث. وأنا لم أعد أريد أن أتشبث.
تنفست ببطء ورسمت على وجهي ابتسامة هادئة لا معنى لها. قلت حسنا. أتمنى لكم رحلة سعيدة.
سارة قالت بسرعة شكرا لتفهمك.
كريم حاول أن يقترب ماما
رفعت يدي إشارة قصيرة توقفه لا داعي. استمتعوا.
استدرت ومشيت نحو السيارة. لم أهتز. أو هكذا بدا الأمر من الخارج. لكن في الداخل كان شيء ما ينهار بهدوء. قدت بلا موسيقى والمدينة تمر من حولي كأنها لا تعرف أنني خرجت لتوي من خيانة عائلية مؤلمة. وصلت البيت أغلقت الباب وجلست على الكرسي دون أن أخلع حذائي.
فتحت الملف الأزرق.
كانت الأوراق مرتبة بعناية أرقام الحجز أسماء النزلاء مواعيد القطارات أسماء الجولات. وفجأة بدأت أرى الحقيقة في التفاصيل كل شيء على بريدي الإلكتروني وكل المدفوعات عبر بطاقتي وكل التأكيدات تصلني أنا أولا. لم يكن ذلك صدفة أنا من فعلته هكذا لأنني أحب التنظيم. لكن التنظيم اليوم صار سلاحا.
قلت لنفسي بصوت واضح إذا استطاعوا أن يبدلوا الراكبة عند باب الشقة فأنا أستطيع أن أبدل أشياء قبل أن تهبط الطائرة.
لم يكن في ذلك انتقام
أعمى. كان ردا محسوبا. أنا لا أريد أن أكسرهم بل أريد أن أعيد ترتيب الميزان. أريد أن أعرف أن هناك حدودا لا تداس ثم تغفر ببساطة.
ذلك المساء اتصلت بأول فندق في روما. كنت قد اخترته بعناية لأنه يطل على ساحة جميلة ولأنه من الفنادق التي تحترم التفاصيل. أجابتني موظفة الاستقبال بالإنجليزية فطلبت منها تحويل المكالمة إلى مسؤول الحجوزات. ثم قلت بصوت هادئ ثابت
مساء الخير. أنا مريم عادل. أحتاج إلى تحديث عاجل على الحجز.
سألتني عن رقم الحجز فأعطيته لها. سألتني عن البريد الإلكتروني فأكدته. ثم قالت نعم الحجز لثلاثة أشخاص. كيف يمكنني المساعدة
قلت ببساطة ألغوا الاسم الثاني وأضيفوا بدلا منه اسما آخر. وسأرسل لكم نسخة من جواز السفر عبر البريد.
ترددت للحظة ثم سألت هل لديك صلاحية التعديل
ابتسمت لنفسي. الحجز باسمي والمدفوعات باسمي. نعم لدي الصلاحية.
قالت حسنا. سيتم التحديث خلال دقائق.
أغلقت المكالمة وأنا أشعر لأول مرة في ذلك اليوم أن الهواء عاد إلى صدري.
بعدها لم أتوقف.
دخلت على شركة الطيران واستخدمت رقم الحجز نفسه. كان من حسن حظي أنني أنا من دفعت وأنا من استلمت التأكيدات. عدلت المقاعد. ألغيت مقعدا. أضفت مقعدا آخر. لم ألغ الرحلة كلها لم أرد أن أبدو مجنونة. أردت فقط أن أفهمهم
أنني لست كرسيا إضافيا يستبدل حين تأتي ماما أخرى.
ثم فعلت أهم شيء ألغيت خدمات النقل الخاصة التي كنت قد حجزتها لهم في باريس وفيينا. ليست مشكلة كبيرة لكنها ستصنع فرقا. سيضطرون للتعامل مع الواقع دون مظلتي.
في اليوم التالي رن الهاتف. كان كريم. تركته يرن مرة مرتين ثلاثا. ثم أجبت.
قال بصوت متوتر ماما في مشكلة في الحجوزات. الفندق بيقول في تعديل حصل والطيران كمان!
قلت بهدوء أيوه. عدلت بعض الأشياء.
صمت لحظة. ثم قال ليه
قلت لأنك عدلت حياتي عند باب الشقة من غير ما تسألني.
قال بسرعة ماما سارة قالتلك الموضوع ظروف. ومش قصدها
قاطعته بنبرة ثابتة لا تبرر. قصدها واضح. وقصدك أنت أوضح أنك وافقت.
ارتفع صوته قليلا ماما إحنا في المطار! الكلام ده وقته
قلت وقته مناسب جدا. لأنك اخترت الوقت ده عشان تبلغني أنني مستبعدة. وأنا اخترت وقتا قريبا عشان أبلغك أنني لست بلا قيمة.
قال بحدة طيب يعني هنعمل إيه دلوقتي
قلت هتعملوا اللي كنت بعمله عنكم دائما هتحلوا مشاكلكم بنفسكم.
سمعت صوت سارة في الخلفية تقول شيئا غاضبا ثم أخذت الهاتف منه فجأة.
قالت بنبرة متعالية مريم اللي بتعمليه ده قلة ذوق. ده اسمه تخريب.
قلت بهدوء واللي عملتيه عند الباب اسمه إيه
سكتت لحظة. ثم قالت أنت كده بتفضحينا!
ابتسمت
وقلت أنا لم أفضحكم. أنتم فضحتم أنفسكم ثم خفتم من المرآة.
قالت بعصبية رجعي كل حاجة زي ما كانت!
قلت لن أرجع شيئا. ستتعلمون أن الكبار لا يدارون بالابتزاز.
ثم أضفت بوضوح وأبلغي والدتك أن الرحلة ليست مقعدا شاغرا. أنا لست احتياطا.
أغلقت المكالمة.
جلست بعدها طويلا أمام النافذة. لم أشعر بالشماتة. شعرت بشيء قريب من الحزن الناضج الحزن الذي لا يبكي كثيرا لكنه يضع حدودا.
في المساء وصلتني رسالة من كريم
ماما سارة بتعيط. أنا مش عايز نخسر بعض. إحنا غلطنا بس
قرأت الرسالة ولم أرد فورا. تركتها حتى الصباح. ثم كتبت
الخطأ ليس في قرار واحد. الخطأ في الطريقة. في الاستهانة. في أنك لم تقل لا.
أنا لا أكرهكم. لكنني لن أسمح بهذا مرة أخرى.
بعد يومين عاد الاتصال لكن هذه المرة من رقم آخر. كانت هدى أم سارة.
صوتها كان واثقا كأنها صاحبة حق ألو حضرتك مريم
قلت نعم.
قالت أنا هدى. أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل! إحنا رايحين نرتاح وإنت بتلعبي في الحجوزات ليه
قلت بهدوء أنا لا ألعب. أنا أنظم ما هو باسمي.
قالت بصوت أعلى بس دي رحلة ابني وبنتي!
ضحكت ضحكة قصيرة ابنك من أين ظهر ابنك كريم ابني. وسارة زوجته. أما أنت فكنتي ضيفة وقررت أن تأخذي مكاني.
قالت بنبرة جارحة أنت ست كبيرة مش ناقصك سفر.
قلت والاحترام
ليس ناقصك أيضا لكنه يبدو أنه لم يصل إليك.
سكتت
تم نسخ الرابط