اشترت بيتًا متهالكًا بثمنٍ بخس… وخلف لوحةٍ قديمة وجدت كنزًا غيّر حياتها

لمحة نيوز

في البيت كله. على الأقل تركوا شيئا جميلا فكرت وهي تمرر إصبعها على الإطار المغبر.
في تلك الليلة الأولى نامت على أرض الغرفة ملفوفة بالبطانية الوحيدة التي أحضرتها مستخدمة الحقيبة وسادة. كان الهواء يتسلل من كل مكان وأصوات الليل تبقيها مستيقظة صرير الخشب القديم أصوات بعيدة للطبيعة صفير الريح عبر الشقوق. بكت حتى غلبها النوم يد على بطنها حيث كان الجنين يتحرك والأخرى متشبثة بحافة البطانية كأنها الشيء الوحيد الذي يربطها بالواقع.
الأيام التالية كانت عملا بلا توقف. نظفت إسبيرانثا ما استطاعت كنست التراب وأخرجت الأوراق الجافة وسدت فتحات النوافذ بقطع كرتون وبلاستيك وجدتها في الفناء. أصلحت أحد الكراسي بسلك عثرت عليه قرب الحظيرة الخالية.
كانت تجلب الماء من جدول يبعد نحو خمسمئة متر أسفل التل. كل رحلة كانت عشرين دقيقة نزولا وثلاثين صعودا وهي تحمل الدلاء التي تزداد ثقلا مع تقدم الحمل. كانت تأكل قليلا. الأرز والفاصولياء اللذان أحضرتهما كانا يجب أن يدوما أطول وقت ممكن. وكانت تكمل غذاءها بنباتات برية صالحة للأكل وثمار تعرفها منذ طفولتها في الريف.
في المساء كانت تجلس على عتبة الباب تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم أكثر قربا وسطوعا مما رأته يوما. كانت تفكر في رامون
وفي الطفل الذي ينمو داخلها وفي كيف وصلت إلى هنا وحيدة مع بيت يحتاج إلى كل شيء. وتقول بصوت مسموع لكنه بيتي. بيتي. لا أحد يستطيع أن يأخذه مني.
في الأسبوع الثاني قررت الاهتمام باللوحة. كانت تكنس الغرفة حين توقفت عيناها عليها من جديد. ما زالت معلقة في مكانها القطعة الوحيدة التي بدا أنها كانت مهمة لشخص ما في وقت ما.
قالت هامسة يجب أن أنظفك فأنت الشيء الجميل الوحيد الذي أملكه. اقتربت بقطعة قماش مبللة. نظفت الإطار أولا كاشفة خشبا نبيلا ربما من الجوز محفورا بنقش بسيط لأوراق. ثم مسحت الزجاج بحذر شديد.
اتضحت الصورة. كان منظرا جبليا نعم لكن التفاصيل ظهرت الآن تلال بألوان مغرة وخضراء جدول يلمع كالفضة بيوت بأسقف حمراء. وفي زاوية بالكاد ترى توقيع وتاريخ. أمالت إسبيرانثا رأسها لتقرأه كوتز كاراسكو 1932.
قبل قرابة مئة عام رسم أحدهم هذه اللوحة حين كان أجدادها شبابا حين كانت المنطقة نابضة بالحياة. من كان يعيش هنا تساءلت. من كنت رأت أن اللوحة تستحق مكانا أفضل لكن عليها أولا أن تنزعها.
سحبت الإطار برفق. لم يتحرك. كان مثبتا بقوة لا بالمسمار فقط بل كأنه مدخل في الجدار. عقدت حاجبيها وشدت بقوة أكبر. تحرك قليلا وصدر صوت غريب ليس من الإطار بل من خلفه من الجدار نفسه.

وفجأة تشقق طلاء الجدار. أفلتت اللوحة مذعورة. ظهرت شقة طويلة خلف الإطار وسقط غبار وقطع طين على الأرض. تمتمت لا لا ظنت أنها أضرت بالبناء. انحنت بصعوبة والتقطت القطع المتساقطة. وعندما لمستها لاحظت شيئا غريبا.
لم تكن صلبة تماما. كان الخارج طينا جافا لكن الداخل بدا أجوف كأن الجدار يحتوي تجويفا متعمدا. وبقلب يخفق نظرت عبر الفتحة. رأت فراغا مظلما مخبأ خفيا.
همست ما هذا بحثت عن أداة واستخدمت واحدة بسيطة كانت معها. بدأت تزيل الطين بحذر. كان الطين القديم ينهار بسهولة كاشفا عن تجويف مستطيل داخل الجدار وفي داخله شيء ما.
مدت يدها بحذر ولمست قماشا شيئا ملفوفا بقطعة قماش خشنة قديمة. أخرجته ببطء. كان حملا ثقيلا بحجم صندوق صغير ملفوفا بقماش مربوط بحبال قديمة تكاد تتفتت.
وبيدين مرتجفتين فكت اللفافة. ظهر صندوق خشبي بسيط بقفل معدني قديم. كان الخشب جافا لكنه سليم. تمتمت يا إلهي وفتحت القفل.
انفتح الغطاء بصرير خفيف كأن الخشب نفسه يتنفس بعد عقود طويلة من الصمت. لم يكن الصوت عاليا لكنه كان واضحا في سكون البيت صوتا رقيقا حمل رهبة غريبة رهبة الاكتشاف حين يأتيك من حيث لا تتوقع ويضع بين يديك شيئا أكبر من طاقتك على الفهم.
تجمدت إسبيرانثا لثانية ثم أمالت الغطاء أكثر.
وما إن فعلت حتى ارتد إليها بريق أصفر حاد بريق لا يخطئه أحد لا يحتاج إلى خبرة أو معرفة أو حيلة في التمييز ذهب.
كانت هناك عملات كثيرة مكدسة بعضها فضة داكنة كأنها حملت ليلا طويلا داخل الجدار وبعضها أصفر لامع كأن الضوء نفسه حبس فيها. كانت العملات الثقيلة تتراص فوق بعضها بعضها مائل وبعضها مغمور تحت غيره وبينها غبار خفيف وشعور بأن الزمن قد تجمد داخل الصندوق.
تحت طبقة العملات ظهرت أوراق مطوية بعناية مصفرة كأنها ورق قد شرب الرطوبة ثم تعافى داخل الطين. ومع ذلك كانت مقروءة.
وفي القاع ملفوفا بمنديل مطرز بدا واضحا أنه لم يلف اعتباطا بل بيد تعرف قيمة ما تخفيه عقد بميدالية وزوج أقراط بأحجار حمراء عميقة بدت كأنها تشتعل في الظلياقوت أو ما يشبهه.
في تلك اللحظة لم تعد إسبيرانثا إسبيرانثا التي صعدت الجبل متعثرة تحمل كيس أرز وحقيبة كرتونية. لم تعد الأرملة التي لم تجد قوت يومها. صارت امرأة أمام مفترق يغير المصير.
جلست على الأرض دون أن تشعر. لم يكن جلوسا مقصودا بل سقوطا هادئا كأن ساقيها لم تعودا تحملانها. وضعت الصندوق على فخذيها ثم حركت يدها فوق العملات ببطء وكأنها تتأكد أنها ليست حلما.
كانت أصابعها ترتجف. ليس خوفا وحده بل من دهشة طاغية.
اشترت بيتا متهالكا بيتا
كانت تراه بالأمس كومة طين
تم نسخ الرابط