أرادوا أن يُخفوه لأنه أسود… فأنقذته امرأة وغيّر مصير الجميع
المحتويات
الجو بثقل. ثم قبض الكولونيل يده.
فتشوا! زمجر أريد تلك المرأة عائدة قبل أن يحل الليل!
خرج المشرفون مع الكلاب. وارتجفت الأدغال من غضبهم.
مشى بنديتا وماتياس حتى صار الألم جسدا. كان الرضيع على صدرها يهدأ بحرارتها. بدت الغابة كأنها تريد ابتلاعهم وحمايتهم في آن واحد.
عند المساء وصلا إلى فسحة فيها أكواخ بسيطة ودخان مواقد وعيون مترصدة. رجال ونساء بندوب وكبرياء. وأطفال يركضون.
تقدمت امرأة مسنة. شعرها مضفر وظهرها مستقيم.
من أنتما سألت.
رفع ماتياس يده.
نطلب ملجأ. هي هربت من سانتا إولاليا. وهذا الطفل نظر إلى الرضيع كانوا يريدون إخفاءه إلى الأبد.
حدقت المرأة في بنديتا بنظرة تقرأ الروح.
لا يدخل المرء هنا خوفا فحسب قالت يدخل قرارا. هل ستبقين لتقاتلي أم لتختبئي فقط
نظرت بنديتا إلى النار وإلى أيدي الناس تعمل وإلى حياة تتحرك بلا إذن السيد.
سأبقى أجابت لأنني إن عدت أموت. ويموت هو. وابنتي
انكسر صوتها. لاحظت المرأة ذلك فلانت قسوتها قليلا.
ابنتك ستأتي أيضا. إن كان هناك طريق سنفتحه.
شعرت بنديتا أن الهواء لا يكفيها. لأول مرة منذ سنوات بدت وعدا لا يشبه الكذب.
نظرت المرأة إلى الرضيع.
ما اسمه
ابتلعت بنديتا. كانت قد قالت يا ابني وهو ليس ابنها لكنها فهمت في تلك اللحظة أن الدم وحده ليس ما يصنع الرابط.
لا اسم له بعد.
أومأت المرأة.
إذن سيكون له اسم هنا. رفعت نظرها للسماء ولد في الظلام الذي أرادوا أن يجعلوه عارا. هنا سيكون قوة. اسمه سيكون دافي.
قبلت بنديتا جبين الرضيع.
دافي همست.
وكأن الطفل عرف الكلمة أطلق صوتا خافتا يكاد يكون زفيرا.
مرت شهور.
في سانتا إولاليا حاولت أميليا أن تتصرف كأن شيئا لم يحدث. كان ابناها الأبيضان يكبران ويبكيان ويحصلان على المداعبة. لكن البيت الكبير لم
لأن الكولونيل بدأ يشك.
قالت القابلة اثنان لكنه تذكر صرخة أميليا وتقلصات طويلة وصمتا غريبا بعدها. وتذكر أيضا شيئا آخر ليلة قبل سنوات سكرا وجارية فتية كانت تبكي. خطأ دفنه تحت الأوامر والكحول.
الذنب مهما حاولت السلطة سحقه هو كالرطوبة يجد دائما شقا.
في يوم ما في المدينة قال له تاجر بلهجة عابرة
هل سمعت يا كولونيل يقولون إن هناك كيلومبو أكبر قرب النهر. ويقولون إن امرأة هاربة من مزرعتك هناك. وتربي طفلا.
سرت قشعريرة في ظهر الكولونيل.
أي طفل سأل.
لا أدري. لكنهم يقولون إن له عينيك.
في تلك الليلة نظر الكولونيل إلى أميليا وهي نائمة. رسم ضوء الشمعة ظلالا على وجهها. لم تعد تبدو له أنيقة. بدت له خائفة.
أميليا قال وهو يوقظها ماذا فعلت في تلك الفجرة
اعتدلت متصنعة البراءة.
عم تتكلم
أمسك الكولونيل بذراعها بقوة.
عن الأطفال! عن الحقيقة!
شعرت أميليا أن العالم ينهار فوقها. وتصرفت كما يتصرف من عاش على السيطرة هاجمت.
كان عارا! بصقت كان سيحطمنا! وريث أسمر! ماذا سيقولون عني عنك
تسمر الكولونيل.
إذن كان موجودا
تنفست أميليا بسرعة وقد حوصرت.
نعم كان موجودا. وكان يجب أن يختفي.
تركها الكولونيل كأنها تحرقه. وضع يده على رأسه.
يا رب تمتم كان ابني.
نظرت إليه أميليا بحقد.
لا. كان خطيئتك. أنا فقط حميت هذا البيت.
خرج الكولونيل من الغرفة كوحش مجروح. وفي تلك اللحظة بدأت المزرعة تغرق لا بنار ولا بغزو بل بشيء أبطأ الحقيقة.
في الكيلومبو لم تنس بنديتا ابنتها. كانت تحلم بها كل ليلة. وكل صباح تستيقظ على السؤال نفسه كيف أحضرها
خطط ماتياس والمرأة المسنة التي كان الجميع يناديها الأم جوانا بحذر. لم يكن إنقاذا سينمائيا. كان عملية حياة أو موت.
في ليلة بلا قمر عاد
أخيرا رأت مسكن العبيد. الباب الخشبي. الظلال.
صفرت كما اعتادت أن تصفر لابنتها حين كانت صغيرة. صوتا قصيرا كصوت طائر.
ثم حركة. ووجه صغير ظهر في الشق.
أمي همستهما هي.
شعرت بنديتا أن قلبها ينكسر ويلتئم في آن واحد.
أنا هنا يا روحي قالت بخفوت تعالي. بسرعة.
خرجت الطفلة حافية. ركضت نحو بنديتا كأن العالم صار خفيفا.
ضمتها بنديتا إلى صدرها.
سامحيني همست سامحيني لأنني تركتك.
لم تكن الطفلة تفهم كل شيء لكنها تفهم الدفء.
هل سنذهب سألت.
نظرت بنديتا نحو الأدغال.
نعم. سنذهب.
لكن حين استداروا سمع نباح.
كلب.
ثم آخر.
ثم صوت
هناك!
ظهر المشرفون بمصابيح. أمسكت بنديتا يد ابنتها وركضت. دفع ماتياس الأغصان وفتح طريقا. كانت الكلاب تقترب.
ثم وقف بينهما وبين المطاردة رجل واحد الكولونيل ترتوليانو.
كان يحمل بندقية. ووجهه مضطربا.
توقفوا! صرخ.
تجمدت بنديتا. اختبأت ابنتها خلفها.
تقدم الكولونيل خطوة.
بنديتا قال بصوت غريب أقل أمرا وأكثر قلقا أين الطفل
حدقت بنديتا فيه بحقد.
مات بالنسبة لكم.
ابتلع الكولونيل ريقه.
ليس بالنسبة لي.
ضحكت بنديتا بلا مرح.
الآن صار يهمك الآن صار ابنك
خفض الكولونيل البندقية ببطء كأن ثقلا سقط عليه دفعة واحدة.
لم أعلم تمتم أميليا أخفته عني. أنا انكسر صوته ففوجئت بنديتا نفسها كنت جبانا. لكنني أريد رؤيته. أريد أن أفعل شيئا صحيحا قبل أن يفوت الأوان.
خلف الكولونيل كان المشرفون ينتظرون أمرا. والكلاب تواصل النباح.
شدت بنديتا يد ابنتها. نظر ماتياس إليها مستعدا للهرب.
ثم اتخذت بنديتا قرارا خطيرا تكلمت.
إن كنت حقا تريد أن تفعل شيئا صحيحا فاتركنا.
نظر إليها الكولونيل.
ماذا
دعنا نذهب. أنت تعرف الطريق. تستطيع أن تقول إنك أضعتنا. تستطيع أن تطلق النار في الهواء وتمثل. تحدته بنديتا إن لم تفعل فأنت مثلها.
أغمض الكولونيل عينيه لحظة. ثم رفع البندقية وأطلق رصاصة في الهواء.
لقد هربوا نحو النهر! صرخ بالمشرفين بسرعة اتبعوني!
وركض في الاتجاه المعاكس.
تبعه المشرفون مذهولين.
لم تتنفس بنديتا حتى ابتلعتهم الأدغال.
كان لقرار الكولونيل ثمن.
حين علمت أميليا بالهرب وبسلوك زوجها الغريب امتلأت بالارتياب. صارت تراقب وتعاقب لأي سبب وترى أعداء في كل ظل. صار البيت الكبير مكانا للصراخ لا للترف.
أما الكولونيل فالتهمه الذنب. شرب أكثر واعتل وفقد هيبته. تأثرت تجارة البن. وبدأ الناس في المدينة يهمسون سانتا إولاليا لم تعد كما كانت.
بدأ القدر ببطء وثبات يجبي دينه.
بعد عام امتد حريق لا بسحر ولا بمعجزة بل بإهمال ويأس إلى أحد المخازن. انتشرت النار سريعا. احترق البن. ضاعت المحصولات. غرقت المزرعة في الديون.
ابتعد المستثمرون. وتوقف الأصدقاء الأثرياء عن الزيارة.
وأميليا السيدة التي ظنت أنها ستسيطر على سمعتها بحذف رضيع بدأت تعيش أسوأ ما قد يصيب طبقتها السقوط الاجتماعي.
لم تسجن. ولم تجلد. لكن المهانة لاحقتها كعطر مر لم يعد الناس يحنون رؤوسهم.
وكانت تلك بالنسبة لها عقوبة.
وفي الكيلومبو كبر دافي محاطا بأيد لا تشير إليه كعار بل كمستقبل. لم يكن لون بشرته بقعة كان فخرا. كان ضحكه يملأ الهواء.
كانت بنديتا تنظر إليه وتفكر في فجرة 1852 في قطعة القماش المطرزة وفي أمر إخفائه. وتفهم أن التاريخ مهما كان قاسيا يمكن للحب أيضا أن يكون شرسا.
حين بلغ السادسة سأل دافي
لماذا أخفوني حين ولدت
نظرت بنديتا إليه طويلا. لم تكذب عليه.
لأن بعض الناس يظنون أن لون الجلد يقرر قيمة
أومأ دافي بجدية طفل صغير.
إذن سيكون قلبي كبيرا.
وكان كذلك.
تعلم القراءة على يد
متابعة القراءة