هرب من برلين عام 1945… وبعد 79 سنة اكتشفوا الحقيقة داخل كهف مظلم!
المحتويات
كبار المجرمين لكنه بمستوى يكفي ليكون مطلوبا بجدية. كانت دوريات أمريكية وبريطانية تمشط النمسا تفحص كل قرية وتستجوب كل شخص.
في أبريل 1946 وصلوا إلى أوتشتال. كان ريختر يراقب من الجبل بينما كان الجنود الأمريكيون يسألون القرويين ويعرضون صورا وأسماء. استجوب يوهان شتاينر مثل الجميع. سأل ضابط أمريكي وهو يعرض صورة لريختر بزيه هل رأيت هذا الرجل نظر شتاينر بعناية وقال لا. لم أره قط. كانت الكذبة مثالية. إما أنه ممثل بارع أو أنه لم يكن يهتم بما فعله ريختر. وربما كلا الأمرين.
غادر الأمريكيون بعد ثلاثة أيام لكن ريختر كان يعلم أنهم سيعودون وأنهم في المرة القادمة سيكونون أدق. كان عليه اتخاذ قرار. يمكنه أن يحاول الهرب إلى أمريكا الجنوبية كما فعل كثيرون فشبكات الهروب عبر إيطاليا كانت لا تزال موجودة لكن ذلك يعني السفر والتعرض والمخاطرة. أو يمكنه أن يبقى هنا في الجبال التي يعرفها في الكهف الذي حماه وأن يختفي تماما حتى ييأس المطاردون في النهاية.
اختار الخيار الثاني.
في مايو 1946 عاد إلى الكهف. هذه المرة إلى الأبد. ودع شتاينر قائلا سأذهب بعيدا من هنا. كانت كذبة. لم يكن ذاهبا إلى أي مكان. كان عائدا إلى كهفه إلى مرسيدسه إلى يومياته.
وهناك في برد وصمت الجبل النمساوي استقر لما سيكون انتظارا طويلا طويلا جدا.
تحولت الأشهر إلى سنوات 1947 1948 1950. كان العالم يدور فوقه أما ريختر فكان يعيش في فقاعة زمنية متجمدة عند عام 1945. كان يلمع حذاءه ويحافظ على المرسيدس نظيفة قدر الإمكان ضمن الظروف المحدودة ويكتب دائما يكتب.
بلغت يومياته ألف صفحة ثم ألفين. لم تعد مجرد سرد. أصبحت حياته كلها متبلورة في كلمات. لكن الوحدة كانت تفتك
في عام 1960 كان ريختر قد بلغ السابعة والخمسين وأمضى خمسة عشر عاما في كهفه. لم يعد الكهف ملاذا بل صار سجنا بناه لنفسه حجرا حجرا ويوما يوما.
ظهرت أولى علامات جنون خفيف. صار يتحدث بصوت مسموع يجري حوارات مع أشباح الماضي رفاقه الموتى رؤساؤه الذين أعدموا وحتى مع هتلر نفسه. كان يعرف أنه جنون لكن في الصمت المطلق للكهف كان صوته هو الصوت البشري الوحيد الذي يسمعه.
فرض على نفسه روتينا صارما يستيقظ عند الفجر رغم أن ضوء النهار لا يخترق عمق الكهف. تمارين صباحية نفس التمارين العسكرية التي كان يفعلها قبل عشرين عاما. تنظيف الزي تلميع الحذاء فحص المرسيدس ومسح كل سطح بعناية بقطعة قماش.
كانت فترة بعد الظهر مكرسة للكتابة. كانت يومياته قد صارت ثلاثة آلاف صفحة موزعة على دفاتر متعددة محفوظة بعناية في صناديق معدنية لحمايتها من الرطوبة. كان يكتب أساسا عن ذكرياته قبل الحرب عن حملاته العسكرية عن تأملاته في ما كان الرايخ قد كانه وما كان يمكن أن يكونه.
لم يعد يخرج أبدا. في السنوات الأولى كان ينزل أحيانا لسرقة الطعام من مزارع بعيدة ليلا دائما ومقنعا دائما. لكنه الآن كان يعيش بما يجده في الجبل جذور فطريات ماء عيون. كان يزداد نحولا. صار شعره أبيض بالكامل. كانت يداه ترتجفان باستمرار.
كان العالم الخارجي يتغير بسرعة. استعادت النمسا استقلالها عام 1955. كانت الاقتصاديات تعاد بناؤها. بدأ السياح يأتون للتزلج في جبال تيرول. لكن ريختر لم يكن يعرف شيئا من ذلك. بالنسبة له توقف الزمن في الثلاثين من أبريل 1945.
في عام 1965 مات يوهان شتاينر. لم يعلم ريختر بذلك. لم يعد هناك أحد يعرف بوجوده. صار شبحا كاملا رجلا لا وجود
جاءت السبعينيات. كان ريختر قد بلغ السبعين. كان جسده ينهار لكن عقله ظل على نحو غريب متماسكا. استمر في الكتابة لكن الملاحظات صارت أقصر وأكثر تفتتا. أحيانا يكتب بضعة أسطر فقط
اليوم مثل الأمس برد وحدة لكنني حر. حر بطريقتي.
هل كان حرا حقا وهو محبوس في كهف رافضا الخروج حتى بعد أن كف الناس عن البحث عنه أم كانت هذه حرية قصوى بشكل ما اختيار واع لرفض عالم أدانه
في عام 1980 أصيب بسعال مزمن ربما سل أو التهاب رئوي مزمن. لم يكن لديه دواء. كان يتألم بصمت ويبصق دما في قطع قماش يحرقها بعد ذلك. لكنه ظل ينجو دائما ينجو.
في التسعينيات كان هيكلا عظميا تقريبا. كان وزنه ربما خمسين كيلوغراما. كانت ملابسه العسكرية تتدلى على جسده الهزيل كأنها على فزاعة ومع ذلك كان يرتديها يوميا ويحاول أن يبقى منتصبا قدر ما تسمح به ظهره المنحني.
صار يكتب أقل. ضعفت عيناه. كانت يداه ترتجفان أكثر من أن تمسكا القلم بثبات. لكنه كان يعيد قراءة دفاتره القديمة يستعيد حياته عبر الكلمات التي كتبها قبل عقود.
جاءت الألفية الجديدة. عام 2000. كان ريختر في السابعة والتسعين. صار مخلوقا بالكاد يبدو إنسانا ظلا منحنيا يرتجف يتحرك ببطء في ظلام الكهف ويتمتم بالألمانية مع نفسه.
في صباح من يناير 2003 استيقظ ريختر وعرف أن النهاية قد حانت. لم تعد رئتاه تعملان جيدا. كان قلبه يخفق بلا انتظام. لم يعد لديه قوة للنهوض. زحف حتى المرسيدس. وبجهد هائل فتح الباب ودخل وجلس في مقعد السائق حيث جلس آخر مرة قبل ثمانية وخمسين عاما.
كان يرتدي زيه العسكري كاملا وقد نظفه بإتقان في اليوم السابق كالعادة. وضع دفاتر يومياته على مقعد الراكب
ثم أغمض عينيه وانتظر. جاءت الموت بهدوء في صمت الكهف في الظلام الكامل.
مات كلاوس ريختر كما عاش آخر ثمانية وخمسين عاما وحده مختبئا رافضا حتى النهاية مواجهة العالم الذي أدانه. بقي جسده في المرسيدس. صار الكهف قبره ولم يعلم أحد أنه هناك طوال واحد وعشرين عاما.
في الخامس عشر من يوليو 2024 كان ماتياس بيبر وهو مستكشف كهوف في الثانية والثلاثين من إنسبروك يجهز حملة استكشافية في كهوف قليلة الاستكشاف في وادي أوتشتال.
كان مولعا باستكشاف الكهوف منذ مراهقته وقد سمع شائعات محلية عن نظام كهوف واسع في تلك المنطقة لم يرسم على الخرائط بشكل صحيح. ومع فريقه المؤلف من أربعة أشخاصآنا شميت جيولوجية في الثامنة والعشرين توماس باور مصور في الخامسة والثلاثين متخصص في البيئات تحت الأرض والأخوين التوأمين لوكاس وفيليكس هارتمن خبيرين في التسلق التقنيبدأ ماتياس الصعود نحو المنطقة التي أشارت إليها خرائط طبوغرافية قديمة تعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين.
كان الطريق شبه منعدم وقد غزته النباتات. اضطروا لشق طريقهم بين الشجيرات الكثيفة وتسلق تكوينات صخرية خادعة وعبور جداول جليدية. بعد ست ساعات من المشي الشاق بلغوا جرفا حيث يفترض بحسب الخريطة أن يوجد مدخل كهف.
هناك أشارت آنا إلى فتحة نصف مخفية خلف صخور منهارة وأشجار ميتة وقالت إنه تماما حيث تشير الخريطة. كان المدخل ضيقا ويتطلب الزحف عدة أمتار لكن بمجرد الدخول اتسع الكهف بصورة مذهلة. أظهرت مصابيحهم الأمامية ذات الضوء LED قاعة هائلة بتكوينات من الهوابط والصواعد صنعتها آلاف السنين من تدفق الماء.
تمتم
متابعة القراءة