طردني حاملًا في العاصفة… وبعد عام فضحتُه أمام الجميع في الكنيسة

لمحة نيوز

في الشهر التاسع من حملي كان بطني يبدو كقمر مشدود تحت معطف مبلل. اسمي كلارا مندوزا وكانت تلك الليلة من ليالي يناير في مدينة بورغوس قاسية فالرياح كانت تقطع كالزجاج. كنا قد تشاجرنا بسبب المال وبسبب الساعات الإضافية التي لم أعد قادرة على العمل بها وبسبب الإيجار المتأخر. لم يصرخ خافيير سالاس وكان ذلك هو الأسوأ. نظر إلي كما لو كنت مجرد فاتورة أخرى.
قلت متوسلة ويد على جدار مدخل العمارة والأخرى تحمي بطني
دعني أعود إلى الداخل من فضلك. أحتاج فقط أن أجلس. أشعر بانقباضات.
لم ينظر إلى بطني المنتفخ بل نظر إلى الباب. قال أنت عبء وبحركة جافة أغلق المزلاج من الداخل. سمعت الطقة المعدنية كأنها غرست في صدري. عدت أطرق الباب وأنادي اسمه وأعده بأن أصمت وبأن أبحث عن حلول وبأن لا أكون مشكلة. لكنه لم يجب.
اشتدت العاصفة. كانت الثلوج تعميني وتتسلل إلى عنقي وأكمامي. سرت بلا اتجاه كي لا أتجمد أتبع أعمدة الإنارة التي كانت تختفي في البياض. عند زاوية الشارع رأيت حافلة ليلية تتوقف تردد السائق حين رآني أترنح. صعدت بصعوبة. تمتمت أنا حامل. فاتصل بالإسعاف ولفني ببطانية من مقصورته.
في المستشفى وسط أضواء باردة وأصوات سريعة أخبروني أن الجنين كان في وضعية مقعدية. ثم خلال التصوير بالموجات فوق الصوتية قالت صوت آخر هناك اثنان. اثنان. توأم. لم يكتشف أحد ذلك من قبل بسبب ضعف المتابعة الطبية وتغيبي عن المواعيد. وقعت الأوراق وأنا أرتجف وحيدة بينما هاتفي يتصل بخافيير مرة تلو

الأخرى دون رد.
عندما نقلوني إلى غرفة العمليات ضغطت ممرضة على أصابعي وقالت تنفسي يا كلارا. أنت بأمان. فكرت في الباب المغلق وفي عبارة أنت عبء وقلت في نفسي إن خرجت حية فلن أسمح أن يدفن ما حدث تحت الثلج.
وقبل أن أفقد الوعي بفعل التخدير مباشرة رأيت شاشة الهاتف مضاءة بإشعار جديد. رسالة من خافيير في شريط التنبيهات. كانت تقول كلمتين فقط
لا تعودي.
استيقظت على ألم عميق وصمت أثقل من أي عاصفة ثلجية. إلى جواري مهدان شفافان. في أحدهما طفل صغير جدا يرتدي قبعة زرقاء وفي الآخر طفلة تقبض يدها كما لو كانت مستعدة للقتال منذ الآن. سميتهما ماتيو ولوسيا. بكيت حتى جفت دموعي لا بسبب العملية القيصرية بل بسبب يقيني بأن خافيير اختار البرد بدلا منا.
تحدثت معي الأخصائية الاجتماعية في المستشفى عن مركز إيواء مؤقت. أومأت برأسي بخجل ولكن بعزيمة جديدة أيضا. خلال أسابيع تعلمت كيف أطعم طفلين في الوقت نفسه وكيف أنام على فترات لا تتجاوز عشرين دقيقة وكيف أمدد الحفاضات كما لو كانت نقودا. عملت في تنظيف مقهى في الصباح وفي المساء كنت أساعد في تنظيم أرشيف المركز. لم تكن حياة سينمائية كانت سلسلة من التفاهمات الصغيرة مع الواقع.
كانت هناك متطوعة تدعى ماريسا تلح علي أن أقدم بلاغا عن التخلي. كانت تقول لي الأمر ليس انتقاما يا كلارا بل حماية. لم أكن أريد حربا كنت أريد هدوءا. لكن كلما تذكرت المزلاج ورسالة لا تعودي أصبح الهدوء مستحيلا.
بدأت بجمع ما أملك تقرير الطوارئ الذي دون
العثور على المريضة في الشارع مع انخفاض طفيف في حرارة الجسم وسجلات الطوارئ 112 وتقرير سائق الحافلة. طلبت من مدير المبنى نسخة من تسجيل كاميرا المدخل كانت الكاميرا موجهة مباشرة إلى الرواق. في التسجيل ظهرت منحنية ويدي على بطني وخافيير وهو يغلق الباب دون أن ينظر إلي. احتفظت أيضا برسائل واتساب السابقة حيث كان يقول إنه لا يريد أطفالا.
مر قرابة عام. لم يسأل خافيير عن التوأم ولو مرة واحدة. انتقلت إلى بلد الوليد وحصلت على عقد عمل ثابت في مكتب إداري بفضل دورة مجانية واستأجرت شقة صغيرة بنوافذ لا ترتجف. ظلت الحياة صعبة لكنها لم تعد ظلاما كاملا.
ذات مساء وعندما فتحت إنستغرام ظهرت لي صورة خافيير ببدلة رسمية وامرأة شقراء إلى جانبه يبتسمان أمام كنيسة. التعليق العد التنازلي بدأ! زفاف_الأحلام. شعرت بالغثيان لا بسبب ذكرى الحمل بل بسبب السهولة التي أعاد بها كتابة القصة. في التعليقات كان أصدقاء مشتركون يهنئونه كما لو كان رجلا مثاليا.
في تلك الليلة بينما كان ماتيو ولوسيا نائمين وقد انفرجت ملامحهما أخيرا بعد يوم طويل من البكاء المتقطع جلست إلى الطاولة الصغيرة قرب النافذة. كانت المدينة هادئة على غير عادتها وكأنها تحبس أنفاسها. فتحت الملف الذي جمعت فيه كل ما تبقى من تلك الليلة البعيدة أوراق تقارير صور رسائل تواريخ. كل ورقة كانت تحمل وزنا أكبر من حجمها وكل سطر كان يشبه ندبة لا تختفي.
أخرجت ورقة بيضاء وكتبت عليها بخط ثابت لم أعرف من أين جاءني
الثلج لا
يمحو الآثار.
وضعتها على الغلاف وأغلقت الملف ببطء كما لو كنت أغلق فصلا من حياتي لا لأدفنه بل لأحمله معي إلى الضوء. في تلك اللحظة أدركت أن الصمت لم يعد خيارا وأن الحقيقة إن بقيت حبيسة الأدراج ستتعفن بينما إن قيلت في العلن فقد تؤلم لكنها تحرر.
لم أنم تلك الليلة. ظللت أراقب تنفس طفلي أعد أنفاسهما وأستعيد في ذهني كل خطوة أوصلتني إلى هنا. لم يكن في قلبي غضب أعمى بل حزن عميق تحول ببطء إلى تصميم. لم أرد الانتقام ولم أرد التشهير. أردت فقط ألا يكافأ من اختار أن ينجو وحده ويدفع الآخرين إلى العاصفة.
جاء يوم الزفاف تحت شمس ساطعة تكاد تكون مستفزة ببهجتها. السماء صافية والهواء عليل وكأن الطبيعة نفسها تسخر من المفارقة. ارتديت معطفا بسيطا وربطت شعري بإحكام وألبست ماتيو ولوسيا قبعاتهما الصوفية رغم الدفء أردتهما أن يبدوا كما هما حقيقيين بلا زينة بلا ادعاء.
وصلت إلى الكنيسة قبل بدء المراسم بقليل في تلك الدقائق الرمادية التي تسبق التحول حين لا يكون الداخل قد امتلأ تماما ولا الخارج قد فرغ من المترددين. كانت الأبواب شبه مفتوحة والأصوات تتسرب إلى الساحة الحجرية أمامها ضحكات متقطعة عبارات تهنئة نقاشات خفيفة عن ترتيب الطاولات عن لون الزهور عن وجهات السفر التي تشبه الوعود أكثر مما تشبه الواقع. كان كل شيء يبدو طبيعيا إلى حد مستفز كأن العالم لم يعرف قط معنى أن يغلق باب في وجه امرأة في منتصف العاصفة.
وقفت لحظة عند الباب الجانبي لم أتعجل الدخول. شددت قبضتي
حول الملف الذي صار أثقل
تم نسخ الرابط