الطفلة التي سموها قبيحة عام 1913… عادت لتكتب أهدأ انتقام في التاريخ

لمحة نيوز

صوت يتردد في ذاكرتها كلما اشتد الجوع وكلما ضاق الصمت وكلما انحنت رأسها في طفولتها دون أن تفهم لماذا يطلب منها دائما أن تختفي.
رفعت بصرها ببطء فرأت المرأة الراقدة أمامها. لم تكن تلك السيدة المتعالية التي كانت تسير في أروقة البيت بخطوات واثقة ولا تلك النظرة القاسية التي كانت تلقيها عليها من بعيد. كانت إينيس الآن جسدا واهنا ملامح مهزومة وبقايا إنسانة أنهكها القدر كما أنهك غيرها.
كان بريق الشباب الذي اتخذته يوما سلاحا قد تلاشى ذاب كما يذوب الوهم عند أول مواجهة حقيقية. حل مكان الكبرياء خوف عار خوف لا يستطيع أن يتخفى خلف الكلمات ولا خلف المظهر.
لم تتعرف إينيس إلى إسبيرانزا. لم يكن ذلك تجاهلا متعمدا بل عجزا حقيقيا عن الربط بين الماضي والحاضر. فهي لم تر أمامها الطفلة المنسية التي اعتادت أن تقصيها بنظرة بل امرأة مختلفة تماما طبيبة تقف بثبات شعرها مرفوع بعناية نظارتها تعكس ضوء الغرفة ومعطفها الأبيض يمنحها حضورا لا يجادل.
اقتربت إسبيرانزا بخطوات هادئة. كانت تتوقع أن تشعر بشيء غضب متأخر أو رغبة في الانتصار أو حتى ارتجاف قديم يعود فجأة. لكنها لم تشعر بشيء من ذلك. كان داخلها صمت مختلف صمت لا يشبه الصمت الذي رافق طفولتها. كان صمتا ناضجا واعيا يشبه السلام أكثر مما يشبه الخواء. شعرت لأول مرة أن الماضي لم يعد
يملك السلطة عليها.
أنت إينيس بصوت ضعيف بالكاد يسمع صوتا لا يشبه أصواتها القديمة ولا يحمل شيئا من حدتها أو غرورها السابق. كان صوت إنسانة سقطت عنها كل الأقنعة التي عاشت خلفها سنوات طويلة فلم يبق لها سوى الرجاء العاري رجاء لا يعرف التجمل ولا القدرة على الادعاء.
في تلك اللحظة تحديدا لم تنظر إسبيرانزا إلى الجسد الممدد أمامها فحسب بل رأت إنسانة مهزومة كما كانت هي ذات يوم لكن الفارق أن الطريقين لم يتشابها إلا في الألم لا في الاختيار.
هناك في تلك اللحظة الهشة فهمت إسبيرانزا أمرا لم تفهمه من قبل ولم يكن كتاب ولا تجربة سابقة قد علمها إياه
أن الانتصار الحقيقي لا يتحقق حين يسحق الآخر ولا حين يذل ولا حين ترد الإهانة بإهانة أشد بل حين يتحرر الإنسان من رغبته العميقة في الإيذاء تلك الرغبة التي تتخفى طويلا باسم العدالة وهي في جوهرها امتداد للألم لا أكثر.
الشفاء
لم يكن كلمة طبية فحسب بل معنى واسعا عميقا يتجاوز الجسد إلى الروح.
شفاء الآخر نعم لكن الأهم شفاء الذات معا من ذاكرة لم تتوقف يوما عن النزف.
مدت إسبيرانزا يدها ببطء وكأنها تخشى أن تفزع هذا السلام الجديد الذي استقر داخلها. لم تكن تلك اليد يد طبيبة فقط مدربة على لمس الألم ببرود مهني بل كانت يد امرأة قطعت طريقا طويلا قاسيا محفوفا بالجوع والصمت والحرمان لتصل
إلى هذه اللحظة دون أن تنكسر.
أمسكت بيد إينيس برفق حقيقي رفق لم تعرفه هذه الأخيرة يوما لا من إسبيرانزا ولا ربما من أي أحد آخر.
وحين قالت بصوت ثابت
سأعتني بك
لم تكن الكلمات وعدا طبيا فحسب ولا التزاما أخلاقيا مفروضا عليها بحكم مهنتها بل كانت إعلانا داخليا صامتا بتحرير نفسها من قيود الكراهية التي ظنت يوما أنها سترافقها إلى الأبد كظل لا فكاك منه.
مرت الأيام بطيئة يوما بعد يوم كأن الزمن نفسه قرر أن يراقب هذا التحول دون استعجال. وكانت إسبيرانزا تؤدي عملها بصبر لا يعرف التوبيخ ولا يحمل في طياته أي رغبة دفينة في الإذلال أو التشفي.
كانت تنظف الجراح بعناية تتابع العلاج بدقة وتبقى قريبة حين يشتد الألم لا لأنها مدينة بشيء ولا لأنها تبحث عن غفران من أحد بل لأنها اختارت عن وعي كامل أن تكون أكبر من كل ما عانته.
وفي كل يوم يمر كانت تثبت لنفسها قبل أي أحد آخر أن قلبها كان أوسع من الندوب التي خلفها الماضي وأن تلك الندوب مهما بدت عميقة لم تنجح في تحويلها إلى نسخة أخرى من القسوة التي كادت أن تبتلعها.
أما إينيس فكانت تبكي كثيرا.
تبكي في الليل حين يخلو المكان من الأصوات ويثقل الصمت على الصدر.
وتبكي حين تشعر بتحسن لم تكن تتوقعه وكأن الجسد نفسه يستغرب أن يعامل بهذا القدر من العناية دون مقابل.
لم يكن بكاؤها بسبب الألم
الجسدي وحده بل لأن رحمة إسبيرانزا كانت مرآة قاسية أظهرت لها فجأة طيبة لم تعرف يوما كيف تمنحها ولا كيف تعترف بأنها حرمتها من غيرها وبالأخص من طفلة كانت يوما بين يديها ولم تر فيها سوى عبء.
ومع مرور الوقت بدأت إينيس تفهم لا بالكلمات بل بالصمت الطويل بين جلسة علاج وأخرى.
تفهم أن الطفلة التي نبذتها والتي سعت يوما إلى محوها من الصورة لم تختف كما ظنت بل كبرت ونضجت وتحولت إلى إنسانة أنبل مما تخيلت وأقوى مما كانت تخشاه.
كانت هذه الحقيقة أثقل من أي عقاب وأقسى من أي إدانة لفظية لأنها لا تواجه بل تعاش.
لم تحتج إسبيرانزا إلى الخطب ولا إلى الكلمات الكبيرة ولا إلى إعادة سرد ماضيها المؤلم.
لم ترد أن تشرح ولم تطلب اعتذارا لأنها كانت قد تجاوزت مرحلة الحاجة إليه.
فحياتها نفسها أصبحت الرسالة رسالة واضحة لا تحتاج إلى ترجمة
أن الإنسان قد يكسر وقد يهمل وقد يدفع طويلا إلى الزاوية لكنه لا يمحى.
وأن من قلب الهجر ومن رحم الصمت يمكن أن يولد نور أقوى من كل قسوة نور لا يصرخ لكنه يبقى.
وهكذا في صمت كامل ومن دون ضجيج أو دماء أو شعارات كتبت طفلة ولدت عام 1913 أهدأ وأغرب انتقام في التاريخ.
لا بالعقاب
ولا بالثأر
ولا بإعادة الألم كما هو
بل بالعفو.
فداوت حيث لم يعرف غيرها سوى الأذى
وأغلقت دائرة الألم بيد ثابتة
وقلب حر
وروح لم تعد
أسيرة لما كان
ولا لما كان يفترض أن يكون.

تم نسخ الرابط