كسرتُ فريزر حماتي… وما وجدته داخله جعلني أصرخ وأهرب من البيت!
قبل
لمست ما يخصني.
لم يكن في كلماتها غضب.
كان هناك يقين.
يقين من لا يتوقع رفضا.
لم تمش نحوي.
لم تخط خطوة واحدة.
بل انزلقت
كأن الأرض تحملها دون أن تلمسها قدماها. كأنها لا تحتاج إلى الحركة لتصل وكأن المسافة بيننا لم تعد موجودة أصلا.
شعرت بالهواء يبرد أكثر حتى صار أنفاسي تخرج بيضاء مرئية وكأن الغرفة كلها تحولت إلى فريزر آخر. شعرت بأن الجدران تقترب وأن السقف ينخفض وأن المكان يضيق حولي ببطء.
قالت وهي تقترب وصوتها يلتف حول أذني
الآن ستأخذين مكانه داخل الزجاجة.
في تلك اللحظة لم أفكر.
لم أصرخ.
لم أجادل.
لم يكن هناك وقت للأفكار. كان هناك فقط خوف خام بدائي يدفعني للحركة قبل أن أفهم.
أغلقت الفريزر بقوة جعلت يدي تؤلمني كأنني أغلق بابا على عالم كامل لا مجرد صندوق. ارتد الصوت في المطبخ كضربة معدنية واستدرت وركضت.
ركضت بكل ما تبقى لي من قوة.
تعثرت في الكرسي.
اصطدمت بالطاولة.
شعرت بألم في ساقي لكنني لم أتوقف.
تجاوزتها بصعوبة وأنا أسمع أنفاسي متقطعة غير
مدت يدها نحوي.
لمستني.
كان لمسها كالنار.
ليس نارا تلسع الجلد ثم تنتهي بل حرارة حارقة اخترقتني ببطء زحفت تحت جلدي واستقرت في أعماقي. شعرت بها تعبر الذراع ثم الصدر ثم القلب كأنها لا تحرق الجسد فقط بل تبحث عن شيء أعمق لتنتزعه. إحساس غريب مرعب كأن شيئا ما يسحب من داخلي كأنها لا تلمسني بيدها بل تحاول الإمساك بي من الداخل بروحي.
صرخت.
لكن الصرخة خرجت بلا صوت تقريبا محبوسة في صدري كأن الخوف ابتلعها قبل أن ترى النور. لم ألتفت. لم أفكر. جسدي وحده قرر الهرب.
اندفعت أركض قدماي بالكاد تحملانني. اصطدمت بالحائط تعثرت لكنني واصلت. لم يكن هناك هدف واضح فقط مكان يغلق بيني وبينها.
دخلت مرحاض الضيوف أغلقت الباب بالمفتاح دفعته بكل ما أوتيت من قوة حتى شعرت بأن الخشب قد ينكسر ثم أسندت ظهري إليه أضغط عليه بجسدي كله كأن ظهري هو القفل الأخير.
كنت ألهث كمن خرج لتوه من الماء بعد غرق طويل. صدري يرتفع وينخفض بعنف أنفاسي متقطعة غير متناسقة. يداي ترتعشان بلا سيطرة وركبتاي تكادان تخونانني
كنت أسمع دقات قلبي أعلى من أي صوت آخر.
دق دق دق
قوية. واضحة.
كأنها ستفضح مكاني.
كأنها تناديها.
ثم سمعتها.
ليس طرقات.
ليس صراخا.
كان الصوت أخف من ذلك وأخطر.
كانت تخدش الباب بأظافرها.
خش
خش
خش
الصوت بطيء.
منتظم.
متعمد.
لم يكن صوت شخص يحاول الدخول بعجلة بل صوت من يعرف أن لا حاجة للاستعجال. كل خدشة كانت تمر على أعصابي كحد السكين. لا تسرع لا تتوقف. خدش ثم صمت قصير ثم خدش آخر وكأنها تستمتع بعد الثواني وكأنها تترك لي وقتا كافيا لأفهم أن الوقت في صالحها.
ثم
بدأت تغني.
تهويدة.
تجمدت في مكاني.
حتى أنفاسي توقفت للحظة.
كانت نفس التهويدة التي كانت تغنيها لفيمي حين ينام. نفس اللحن الهادئ نفس الكلمات التي حفظتها أذناي من كثرة ما سمعتها في الليالي الطويلة.
لكنها الآن لم تكن كما كانت.
صوتها كان هادئا.
هادئا إلى حد الرعب.
نبرة رخوة مطمئنة كأنها لا تهدد بل تهدهد. كأنها لا تطارد فريسة بل تعدها للنوم. كأنها لا تغني لطفل بل لشيء لن يستيقظ.
شعرت
أمسكت هاتفي بيد مرتعشة. أصابعي بالكاد تطيعني. الشاشة تهتز أمام عيني والأرقام تختلط. ضغطت على اسم فيمي.
اتصلت.
مرة.
مرتين.
ثلاثا.
لا رد.
عشر مرات.
عشرين مرة.
في كل مرة ينقطع فيها الاتصال كان قلبي ينقبض أكثر. كأن خيطا رفيعا من الأمل يشد ثم ينقطع. شعرت وكأن الأمل نفسه يذوب يتسرب من بين أصابعي كما يتسرب الماء.
ثم
توقف الخدش.
تجمدت.
سكتت التهويدة.
ساد صمت مرعب.
صمت أثقل من أي صوت.
صمت يجعل الأذن تبحث بجنون عن أي شيء لتسمعه حتى لو كان الأسوأ. كنت أفضل أن أسمع خدشها على هذا الفراغ القاتل.
ثم شممت الرائحة.
في البداية كانت خفيفة.
ثم أوضح.
ثم لا يمكن إنكارها.
دخان.
يتسلل من تحت الباب خيطا رماديا رفيعا ثم يزداد كثافة. ثقيلا. خانقا. شعرت بحرارة الهواء تتغير بالجدران تسخن وبالهواء يصير أثقل مع كل شهيق.
بدأ السعال يهز جسدي بعنف. حلقي احترق. عيناي لسعتا كأنهما تفركان بالرمل. حاولت أن أتنفس
ارتفعت حرارة المكان فجأة كأن النار تلتهم البيت غرفة غرفة ببطء متعمد وكأنها لا تريد أن تنهي الأمر سريعا.
صرخت وأنا أرتجف ودموعي تنهمر بلا وعي تختلط بالسعال والخوف
يا إلهي
إنها تحرق المنزل.
وأنا
ما زلت بداخله.