3 أطفال بقمصان زرقاء اقتحموا مكتبه ليلًا… وبعد ساعات تغيّر مصير رجل أعمال للأبد!
هكذا ونحن بالكاد نعرف بعضنا
ظل هنريكي صامتا لحظة وكأن عينيه تبحثان في مكان بعيد ثم تنهد وقال لأنني في تلك الليلة كنت في أسوأ لحظة في حياتي. كنت على وشك أن أفعل أشياء فظيعة أشياء كانت ستدمر حياة مئات الأشخاص. وكنت أفعلها لأنني ظننت أنه لا خيار أمامي وأن العالم يعمل هكذا ولا يمكن تغييره.
توقف قليلا وهو يسوي الأوراق كأنه يحتاج شيئا يفعله بيديه.
ثم تابع ثم دخل أولادك تلك الغرفة وتعلقوا بي بلا سبب. لم يعرفوا من أنا ولا إن كنت شخصا جيدا أم سيئا لكنهم وثقوا بي رغم ذلك. وهذا جعلني أدرك شيئا مهما أن لدي خيارا وأنني أستطيع أن أختار أن أفعل بطريقة مختلفة أن أختار أن أرى الناس على حقيقتهم لا كأرقام على ورق.
كانت كلماته مشحونة بالعاطفة.
قال أخيرا وهو يمسح طرف عينه بسرعة أولادك أنقذوني تلك الليلة يا كلاريس أنقذوني من أن أصبح شخصا لم أكن أريد أن أكونه. لذلك لم أكن أنا من ساعدك هم من ساعدوني. وكل ما أفعله هو محاولة رد الجميل.
كانت كلاريس تبكي بلا محاولة للإخفاء.
قالت يا دكتور لا أعرف ماذا أقول
تقدم هنريكي ووضع يده على كتفها لا تقولي شيئا. فقط استمري كما أنت استمري تلك الأم المدهشة التي تربي ثلاثة أطفال وحدها وتظل لطيفة مع الجميع. هذا أكثر من كاف.
ومضت الأشهر وتحولت العلاقة بين هنريكي وكلاريس إلى شيء أعمق من مجرد مدير وموظفة. صارا صديقين حقيقيين يتصارحان ويدعم أحدهما الآخر بلا حكم.
تعلمت كلاريس عن الضغط الذي يعيشه هنريكي كل يوم ليبقي الشركة قائمة وعن شعوره بأنه يخيب ظن أبيه وعن الوحدة التي تلازم من يكون في منصب يعتمد عليه الجميع بينما قلما يهتم أحد به كإنسان.
وتعلم هنريكي عن حياة كلاريس كيف حملت في التاسعة عشرة وكيف اختفى حبيبها عندما عرف أنهم ثلاثة وكيف تخلت عنها عائلتها وكيف تمسكت هي وأخوها ببعضهما ونجيا رغم كل شيء.
شخصان من عالمين مختلفين التقيا في اللحظة المناسبة وأصبحا يساعدان بعضهما ليصيرا أفضل.
كانت أوضاع الشركة لا تزال صعبة لكنها بدأت تتحسن شيئا فشيئا. نفذ هنريكي تغييرات كبيرة بعد تلك الليلة. خفض راتبه إلى النصف وأنشأ به صندوق طوارئ للموظفين المحتاجين. ألغى عقودا مكلفة مع شركات استشارية كانت تمتص المال بلا فائدة. أعاد التفاوض مع الموردين بصورة أكثر عدلا للطرفين. أنشأ برنامج مشاركة أرباح يحصل
كانت تغييرات رآها كثيرون جنونا. استقال مديرون عدة لأنهم لم يوافقوا عليها وقالوا إنه صار ضعيفا وعاطفيا. لكنه لم يهتم. للمرة الأولى كان يتخذ قراراته بناء على ما يراه صوابا لا على ما يتوقعه الناس منه.
وبالتدريج بدأت النتائج تظهر. الموظفون الذين كانوا يعملون بالخوف صاروا يعملون بحماس لأنهم شعروا أنهم جزء من شيء وأنهم مقدرون. ارتفعت الإنتاجية وتحسنت الجودة. بدأت تظهر عقود جديدة. عادت شركات كانت ابتعدت لأن سمعة الشركة بدأت تتغير لم تعد مجرد شركة كبيرة بلا روح بل مكانا يهتم بالناس حقا.
في عصر يوم خميس كانت كلاريس في مكتبها ترد على رسائل إلكترونية عندما سمعت صوتا غريبا يأتي من مكتب هنريكي. كان صوتا مكتوما لكنه واضح بكاء.
نهضت ببطء وذهبت إلى الباب نصف المفتوح ونظرت إلى الداخل فرأت هنريكي جالسا ووجهه بين يديه وكتفيه يهتزان. ترددت لحظة هل تدخل أم لا لكنها تذكرت كم مرة كان هو معها فقررت أن ترد الجميل.
طرقت طرقا خفيفا ودخلت دون انتظار جواب يا دكتور ماذا حدث
رفع رأسه بسرعة يحاول إخفاء الدموع لكن الوقت كان قد فات. قالت لا تعتذر. ليس أمرا تافها إن كان يجعلك تبكي. قل لي لن أحكم عليك.
ظل صامتا ثم قال اليوم عيد ميلاد أبي كان سيكمل الخامسة والستين. وأفكر كم كان سيشعر بخيبة لو رأى ما فعلته بشركته كدت أدمر كل ما بناه
كان في صوته ألم جعل قلب كلاريس ينقبض.
سحبت كرسيا وجلست أمامه وقالت بحزم يا دكتور مع كامل احترامي أنت مخطئ. والدك كان سيفتخر بك. لقد امتلكت الشجاعة لتتغير عندما كنت تسير في الطريق الخطأ. امتلكت الشجاعة لتختار البشر بدل المال. لتكون إنسانا في عالم يعلمنا البرود والحساب. هذا ليس ضعفا هذه أكبر قوة يمكن أن يمتلكها أحد.
نظر إليها بعينين مبللتين هل تعتقدين ذلك حقا
قالت بثقة لا أعتقد أنا متأكدة. لقد أنقذت مئات العائلات. أنقذت عائلتي. أعطيتني فرصة لم يعطني أحد مثلها. والدك كان سيفتخر بذلك حتما.
تنفس هنريكي بعمق وأومأ شكرا يا كلاريس من القلب. لا تعلمين كم تعني كلماتك لي.
وفي تلك اللحظة فتح الباب واندفع ثلاثة أطفال إلى الداخل ركضا. كانت باتريشيا خلفهم تلهث آسفة يا كلاريس هربوا قبل أن أمسك بهم.
ابتسمت كلاريس. كان الأولاد قد ركضوا مباشرة نحو هنريكي وبدأوا يتسلقونه كعادتهم
ضحك هنريكي وقد أضاء وجهه مرحبا أيها الأشقياء جئتم لتخربوا مكتبي مرة أخرى ثم داعب سيرجيو فصرخ فرحا.
صعد باوليو إلى الطاولة وبدأ يعبث بالأوراق. وكان بدريو في حجر هنريكي يمسك وجهه لينظر في عينيه.
قال الطفل ببراءة العم هنريكي كان يبكي
نظر هنريكي إلى كلاريس بسرعة ثم قال كنت أبكي قليلا لكن انتهى الأمر الآن.
وقبل جبين الطفل. قال بدريو وهو يعانق عنق هنريكي بقوة لا تبك يا عم أنا هنا.
كادت تلك الجملة البسيطة أن تجعل هنريكي يبكي من جديد لكن ليس حزنا هذه المرة بل امتنانا وشعورا بأنه محبوب بلا مصلحة.
ظل الأولاد يعبثون نحو خمس عشرة دقيقة حتى استطاعت باتريشيا إقناعهم بالعودة إلى غرفتهم بوعد البسكويت.
عندما خرجوا بقي هنريكي ينظر إلى الباب الذي خرجوا منه بتفكير عميق.
قال تعلمين يا كلاريس قبل أن أعرفكم كنت أظن أنني أعرف ما هو المهم في الحياة النجاح المال أن تبقى الشركة تعمل لكنني أرى الآن أنني كنت مخطئا تماما. المهم حقا هو لحظات كهذه ارتباطات حقيقية مع بشر حقيقيين أن تعرف أنك تهم أحدا لا بما تملك بل بما أنت عليه.
ابتسمت كلاريس إذا تعلمت الدرس جيدا
قال تعلمته وما زلت أتعلم كل يوم منكم.
تحدثا قليلا عن أمور بسيطة عن سرعة نمو الأولاد وعن رغبة كلاريس في أخذ دورة حاسوب وعن فكرة هنريكي بإنشاء حضانة داخل الشركة لبقية الموظفين.
ومرت الأشهر وصارت سنة وخلالها تغيرت الشركة تماما. لم تعد مكانا باردا يعمل فيه الناس مضطرين بل بيئة يشعر فيها الموظفون بالتقدير والاحترام. انخفضت الاستقالات بشدة. وارتفعت الإنتاجية أكثر من أي وقت. وللمرة الأولى منذ ثلاث سنوات أغلقت الشركة عامها بربح ليس ربحا هائلا لكنه كاف ليبرهن أن الطريق الذي اختاره هنريكي يعمل.
وأصر على أن يشارك جزءا من ذلك الربح مع الموظفين جميعا وفى بوعد برنامج المشاركة الذي أنشأه. رأى الفرح في وجوههم حين حصلوا على ذلك المال الإضافي وكان ذلك أغلى عنده من أي رقم في القوائم.
كانت كلاريس بجانبه طوال الطريق. لم تعد مجرد مساعدة صارت مستشارته وصديقته يلجأ إليها حين يحتاج رأيا صادقا. كانت تعرفه أكثر من أي أحد تعرف متى يقلق وهو يحاول إخفاء ذلك ومتى يحتاج إلى مساحة ومتى يحتاج إلى صحبة.
وكان هو كذلك يعرف عنها الكثير يعرف متى ترهق
كبر الأولاد كثيرا خلال تلك السنة. صاروا في الثالثة من العمر ثرثارين مفعمين بالطاقة وما زال تعلقهم بهنريكي مميزا. كل صباح حين يصلون إلى المكتب يبحثون عنه قبل أي شيء. وكان هنريكي يترك كل ما بيده ليعطيهم وقتا حتى لو كان في اجتماع مهم أو وسط أزمة عاجلة.
اعتاد الموظفون ذلك. صار من الطبيعي أن يروا مدير الشركة جالسا على الأرض يلعب مع ثلاثة أطفال يبني أبراجا من المكعبات أو يرسم معهم ولم يعد الأمر غريبا. بل صار رمزا لما تمثله الشركة الآن مكان تقدم فيه الإنسانية على الربح.
وفي عصر يوم جمعة كان هنريكي في غرفة الأطفال يساعدهم على التلوين حين ترك سيرجيو فرشاته والتفت إليه بجدية الأطفال حين يريدون قول أمر عظيم
قال يا عم هنريكي أنا أحبك كثيرا هل تعرف
شعر هنريكي بانقباض دافئ في صدره وأنا أحبك كثيرا يا سيرجيو. أحبك وأحب إخوتك.
سمع باوليو وبدريو ذلك فتركوا ما بأيديهم وقفزوا إلى حجره.
قالا معا ونحن نحبك يا عم!
كانت كلاريس واقفة عند الباب وقد سمعت كل شيء والدموع تنزل من دون أن تقدر على التحكم بها. رؤية أولادها يحبون ويحبون هكذا كانت كل ما تمنته لهم.
رأى هنريكي كلاريس فمد يده وأشار لها أن تقترب. تقدمت وجثت بجانبهم فلف هنريكي ذراعه حول كتفيها في عناق جانبي. كان الأولاد الثلاثة بينهما ولحظة بدا المشهد كأنه عائلة حقيقية لا عائلة تقليدية بل عائلة بالمعنى الأهم أناس يحبون بعضهم ويقفون معا.
همست كلاريس بكلمة لا يسمعها إلا هنريكي شكرا.
ضغط هنريكي على كتفها برفق. لم تكن بحاجة لأن تقول شيئا. كانا يفهمان تماما معنى تلك اللحظة.
بقوا معا حتى انقضت ساعات العصر وبدأت الشمس تغرب خلف النافذة وتلون السماء بالبرتقالي والوردي. وعندما حان وقت العودة خرجوا الخمسة معا من المبنى. ساعد هنريكي كلاريس في إدخال الأطفال إلى الحافلة ولوح لهم حتى اختفوا عند الزاوية ثم بقي واقفا على الرصيف الفارغ يشعر بشيء لم يشعر به منذ زمن طويل أنه ينتمي إلى مكان وأن لحياته معنى أكبر من العمل والمال.
كان هناك من يعتمد عليه لا بما يستطيع أن يمنحه ماديا فحسب بل بما هو عليه كإنسان. وكان ذلك أثمن من أي ثروة في العالم.
وإذا وجدت هذه القصة طريقها إليك في الوقت المناسب فاكتب هنا ما الذي شعرت به. شاركها مع