عاد من السجن ليأخذ أبناءه… فكانت المحكمة شاهدة على الحقيقة الصادمة
المحتويات
كل ما في وسعي لأغير واقعنا. سأعمل بلا توقف وسأثبت لكم بالأفعال لا بالكلمات أنني هنا لأبقى. وإذا رأيتم في النهاية أن حياتكم ستكون أفضل مع أمكم فلن أقف في طريقكم مهما كان ذلك مؤلما لي.
لم يجب أحد في تلك اللحظة.
لم يكن الصمت علامة رفض ولا قبول بل كان صمتا مشبعا بالحيرة والخوف وذكريات ثقيلة أكبر من أعمارهم.
ومنذ اليوم التالي بدأ سباق لا يرحم مع الزمن.
كان صموئيل يستيقظ قبل بزوغ الفجر قبل أن تستيقظ الطيور نفسها. يخرج بهدوء كي لا يوقظ أبناءه حاملا أدواته البسيطة ويمضي إلى الحقول ثم إلى الإسطبلات ثم إلى أي عمل يعرض عليه مهما كان شاقا أو متواضعا. عمل في نقل الحطب وإصلاح الأسوار وتنظيف الحظائر وحفر القنوات وحتى في أعمال لم يكن يتقنها لكنه تعلمها سريعا لأن الحاجة لا تمنح رفاهية الرفض.
كانت يداه تتشققان وظهره يؤلمه وقدماه تتورمان مع غروب كل شمس لكنه لم يتذمر مرة واحدة. كان يعلم أن أبناءه يراقبونه لا بعيون الفضول بل بعيون من تعلموا ألا يثقوا بسهولة.
شيئا فشيئا بدأ الجيران يلاحظون.
لم يكن صموئيل يطلب المساعدة ولم يشك ولم يذكر أحدا بماضيه أو بظلمه. كان يعمل بصمت بعناد وبإصرار رجل يعرف أن هذه ربما تكون فرصته الأخيرة.
تأثر الناس.
تذكر بعضهم
نظموا حملة بسيطة لجمع مواد البناء ألواح خشب وأبواب قديمة ونوافذ مستعملة وأكياس إسمنت. لم يكن كثيرا لكنه كان كافيا.
وخلال أسبوع واحد فقط وقف الجميع جنبا إلى جنب رجالا ونساء شبابا وكبارا وبنوا بيتا صغيرا من غرفتين له سقف متين ونوافذ حقيقية وباب يغلق بإحكام. لم يكن بيت أحلام لكنه كان بيتا حقيقيا والأهم بيتا آمنا.
وقف الأبناء أمامه في تلك الليلة لا يتكلمون يلمسون الجدران بأصابع مترددة كأنهم يخشون أن يختفي فجأة كما اختفت أشياء كثيرة في حياتهم.
بعد أيام قرر صموئيل أن يواجه الحقيقة الأصعب لقاء رايتشل.
رتب لقاء في مكان محايد كي يتمكن الأبناء من رؤيتها دون ضغط. جاءت رايتشل متأنقة كما لو كانت قادمة من عالم آخر. بدت غريبة بعيدة وكأنها تنظر إلى أطفالها كزائرين لا كأبناء.
لم تسألهم كثيرا عما عاشوه في غيابها ولم تتوقف عند آثار التعب البادية على وجوههم ولم تمتد يدها لتلامس أيديهم كما تفعل الأمهات حين يلتقين أبناءهن بعد فراق طويل. جلست أمامهم وكأنها ضيفة عابرة تنظر حولها بعين ناقدة ثم راحت تتنهد بحسرة مصطنعة تتحدث
تكلمت عن المدينة عن الشوارع الواسعة عن المدارس الخاصة التي تفتح الأبواب للمستقبل وعن البيوت الكبيرة ذات الحدائق المرتبة. كانت كلماتها تتدفق بسلاسة لكنها بدت باردة خالية من أي دفء عاطفي كأنها تتحدث عن مشروع لا عن أطفال.
ساد الصمت المكان.
صمت ثقيل مشبع بأفكار لم تقل وبمشاعر ظلت حبيسة الصدور لسنوات طويلة. تبادل الإخوة نظرات سريعة نظرات من تعلموا أن يقرأ بعضهم بعضا دون كلام وكأن قرارا غير معلن كان يتشكل في تلك اللحظة.
ثم قطعه إيثان.
رفع رأسه ببطء ونظر مباشرة إلى والدته. لم يكن في نظرته غضب صاخب بل حزن عميق نضج قبل أوانه. قال بصوت ثابت متماسك لكنه كان مشحونا بسنوات من الصمت والكتمان وبليال طويلة من الانتظار والخيبة
رحلت عندما كنا في أمس الحاجة إليك. عندما كنا أطفالا لا نعرف كيف نواجه العالم وحدنا. نعم أبي ارتكب أخطاء ولم يكن مثاليا لكنه لم يتركنا بإرادته. كان في السجن وهذا شيء مختلف تماما عن أن يختار الإنسان الرحيل وأن يدير ظهره لأطفاله وهو قادر على البقاء.
ساد صمت آخر أعمق من السابق.
توقفت رايتشل عن الكلام. تحركت شفتاها وكأنها تريد الرد لكنها لم تجد
في تلك اللحظة شعر الأبناء جميعا بشيء تغير في داخلهم. شعروا أن صوتهم لم يعد ضعيفا وأن كرامتهم لم تعد قابلة للتجاهل أو المساومة. لم يعودوا أطفالا يساقون حيث يراد لهم بل أفرادا لهم رأي وتجربة وذاكرة.
بعد ذلك اللقاء لم يحتج القرار إلى وقت طويل أو نقاشات متعبة. لم يكن قرارا انفعاليا بل نتيجة تراكم سنوات من الألم ومن المراقبة ومن المقارنة بين من بقي ومن رحل.
اختار الأبناء البقاء مع صموئيل.
وحين علمت رايتشل بقرار أبنائها لم تر فيه اختيارا طبيعيا نابعا من تجربة قاسية عاشوها بل رأت فيه طعنة مباشرة لكرامتها وصفعة علنية لصورتها التي حاولت الحفاظ عليها أمام نفسها والآخرين. لم تفكر طويلا في مشاعر الأطفال ولا في السنوات التي غابت فيها بل ركزت على الإهانة التي شعرت بها وكأن القرار كان موجها ضدها شخصيا لا لصالح من يفترض أنهم أولى باهتمامها.
استبد بها الغضب وغلب عليها شعور مرير بأنها خذلت لا لأنها أخطأت بل لأنها لم تقدر كما كانت تتوقع. أقنعت نفسها أن القانون سيكون ملاذها الأخير وأن الماضي بكل ما يحمله من ظلال ثقيلة سيستخدم
متابعة القراءة