تظاهرتُ بالفقر عامًا كاملًا… فاكتشفتُ الحقيقة التي كسرت قلبي

لمحة نيوز

في هذا المشهد خلاصة عام كامل. ثم رفعت عينيها ببطء دون غضب ودون تردد
لا أحتاج إلى اعتذارات ولدت من الخوف ولا إلى وعود خرجت حين ضاق الطريق. الحقيقة لا تحتاج إلى تزيين ولا إلى تراجع متأخر. أردت أن أراها كما هي وقد رأيتها كاملة بلا نقص وبلا أوهام.
ثم التفتت نحو خافيير.
كان ممددا على السرير ساكنا إلى حد يخيف لا يسمع ولا يرد ولا يفتح عينيه لكن وجوده في الغرفة كان طاغيا على كل شيء. لم يكن مجرد جسد مريض تحيط به الأجهزة بل كان مركز اللحظة كلها السبب الوحيد الذي ما زال يشد الخيوط الممزقة ويمنع هذا المشهد من الانهيار الكامل. كأن الحياة نفسها كانت معلقة عند أنفاسه البطيئة تتقدم وتتراجع مع كل صوت يصدر عن جهاز التنفس.
اقتربت السيدة روزا خطوة إضافية ونظرت إلى وجه ابنها نظرة طويلة. لم تكن نظرة أم ضعيفة ولا نظرة امرأة تطلب الشفقة بل نظرة من عرفت معنى الفقدان وقررت ألا تسمح له أن يتكرر.
قالت بصوت لم يرتفع لكنه لم يضعف صوت خرج من عمق التجربة لا من حدة
اللحظة
سأنقذك لأنك ابني. لأن الأم حين يتعلق الأمر بحياة ولدها لا تساوم ولا تفاوض ولا تحاسب قلبها على الرحمة. الأم لا تزن الحب ولا تشترط ولا تخلط بين الألم والواجب.
توقفت لحظة ثم تابعت والنبرة ذاتها ثابتة لا تتغير
لكن ممتلكاتي حياتي سنوات تعبي الطويلة لن تكون يوما في يد من لا يرى الإنسان إلا حين يرى المال ولا يحترم الكرامة إلا حين تخدم مصلحته ولا يعرف قيمة الأم إلا عندما يحتاج إليها.
لم ترفع صوتها.
لم تهدد.
لم تشهر قوتها ولم تستعرض ما تملك.
قالت الحقيقة فقط حقيقة مجردة صافية وتركت لها أن تفعل ما تشاء بعدها.
أجريت الجراحة.
بدأ الانتظار.
مرت الساعات بطيئة ثقيلة كأن الزمن قرر عمدا أن يرهق الجميع قبل أن يمنحهم الخلاص. كل دقيقة كانت تمتد أطول من سابقتها وكل صوت في الممر كان يفزع القلوب. جلست كلوديا على المقعد البارد هذه المرة مختلفة تماما عن كل مرات جلوسها السابقة في الأماكن الفخمة والمريحة.
لا هاتف في يدها.
لا مكالمات.
لا رسائل.
لا أسماء
تتصل بها.
لم يبق أحد.
جلست وحدها مع أفكارها مع ذاكرتها التي بدأت رغما عنها تستعرض المشاهد واحدا تلو الآخر نظرة الاحتقار الكلمة الجارحة الضحكة الساخرة الصمت حين كان يجب أن تدافع واللامبالاة حين كان يكفي القليل من الإنسانية.
جلست السيدة روزا إلى جوارها.
لم تعاتب.
لم تذكر.
لم تلق خطبا.
جلست فقط حضورها الصامت كان أبلغ من أي كلام. حضور امرأة تجاوزت مرحلة الانتظار واكتفت بأن تكون ثابتة راسخة لا تطلب شيئا من أحد.
وعندما خرج الطبيب أخيرا وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة لم يحتج أحد إلى سؤال. لم تنطق الكلمات فورا لكن الفهم سبقها وتسرب إلى القلوب قبل أن يصل إلى الآذان.
نجحت الجراحة.
انفرجت الأنفاس وانهمرت الدموع لا دموع الفزع هذه المرة بل دموع الإرهاق الطويل دموع من انتظروا كثيرا.
مرت الشهور.
تعافى خافيير ببطء خطوة خطوة عادت إليه الحركة ثم الكلام ثم القدرة على الوقوف. عادت الحياة إلى شكلها الخارجي المعتاد البيت العمل الوجوه الأيام المتشابهة. لكن
في العمق لم يعد شيء كما كان.
انتقلت السيدة روزا لتعيش وحدها في منزل صغير اختارته بإرادتها لا لأنها لا تستطيع غيره بل لأنها أرادت مساحة لا ينتقص فيها من كرامتها. لم يكن فخما ولم يكن لافتا لكنه كان مشرقا مفتوح النوافذ يدخل إليه الضوء بلا استئذان وخال من الإذلال والصمت المفروض.
كانت لا تزال ترتدي ملابس بسيطة لكن رأسها بقي مرفوعا وخطاها واثقة وصوتها واضحا حين تتكلم. لم تعد تنكس رأسها أمام أحد ولم تعد تبرر وجودها ولم تعد تصمت حين تمس كرامتها لأن الصمت كما أدركت ليس دائما حكمة.
أما كلوديا فقد بقيت في البيت الكبير محاطة بالأثاث اللامع والجدران المصقولة وكل ما كانت تظنه يوما دليل قيمة ومكانة لكنها لم تعد تشعر بالأمان.
لأنها فهمت بعد فوات الأوان
أن الفقر الحقيقي لم يكن يوما في ثياب السيدة روزا
ولا في حقيبتها القديمة
ولا في صمتها الطويل
بل في القلب الذي لم يعرف الرحمة
وفي النفس التي لم تر الإنسان إنسانا
وفي اليد التي لم تمتد إلا حين احتاجت
وفي
الروح التي لم تحترم يوما كرامة الأم.

تم نسخ الرابط