أجبرت حماتها على النوم في الممر سنوات… وعندما ظهر المحامي انقلب كل شيء
صار الانعكاس مختلفا صريحا أكثر مما تحتمل.
وجه لا يخلو من الأسئلة.
عينان تهربان من المواجهة.
وصمت يفضح ما كانت الكلمات تخفيه طويلا.
لم تعد الكلمات تجدي لأن الكلمات حين تتأخر تفقد معناها.
ولم تعد التبريرات تنفع لأن الحقيقة حين تظهر لا تجادل.
فكان الرحيل خيارا أخيرا لا هروبا فقط بل انسحابا من مواجهة كانت ستجبرها على النظر إلى ذاتها كما هي لا كما أرادت أن تكون ولا كما أقنعت
نفسها أنها كانت.
وتلك مواجهة لم تكن مستعدة لها ولم تكن تملك الشجاعة الكافية لاحتمالها.
ومع رحيلها عاد الممر كما كان يوما.
ليس فجأة ولا دفعة واحدة بل ببطء يشبه التنفس بعد اختناق طويل.
كأن المكان نفسه كان ينتظر يصبر يحتمل إلى أن يعود إلى طبيعته الأولى.
امتلأ بالنباتات التي تحبها دونيا تيريزا نباتات لا تزهر سريعا لكنها لا تموت بسهولة.
نباتات تعرف الصبر وتفهم معنى أن تنمو قليلا كل يوم بصمت دون أن تطلب من أحد اعترافا أو تصفيقا.
وامتلأ بالكراسي الخشبية التي تعرف موضعها مع الشمس فتستقبل الضوء حين يأتي وتكتفي بالظل حين يطول النهار دون تذمر أو طلب زائد.
عاد الضوء يدخل إلى الممر بلا خوف
بلا إذن
وبلا اعتذار.
يدخل كما كان يفعل دائما قبل أن يمنع وقبل أن يضيق عليه باسم الترتيب والحدود.
اختفى السرير الخشبي.
ذاك الشاهد الصامت على ليال طويلة لم يسمع فيها أحد أنينا ولم ير فيها أحد ارتجافة برد.
اختفى الجسد الخشبي لكن أثره بقي.
فالبيوت لا تنسى حتى حين تعاد طلاؤها وحتى حين تتغير رائحة هوائها وحتى حين يبدل الأثاث وتمحى العلامات الظاهرة.
الجدران تحفظ الهمسات
والأرض تحفظ الخطوات
والممرات تحفظ ما مر بها أكثر مما يظن.
بعض الأماكن تحتفظ بالذاكرة لا
وبأنهم نجوا حتى وإن جاء النجاة متأخرا.
في كل مساء تجلس دونيا تيريزا هناك.
لا تستعجل الجلوس ولا تبحث عن وضعية مريحة على عجل.
تجلس كما يجلس من لم يعد يخاف المكان ولا الزمن.
تحمل فنجان قهوتها الساخن بيديها اللتين تعلمتا الصبر أكثر مما تعلمتا الشكوى
يديها اللتين عملتا طويلا وتحملتا أكثر مما قيل وأكثر مما عرف.
تراقب الشمس وهي تنسحب ببطء عن الجدران التي كانت دائما ملكا لها
حتى في الأيام التي لم يسمح لها بالاعتراف بذلك
حتى في اللحظات التي شعرت فيها غريبة في بيتها.
لا تشعر بالكراهية لأن الكراهية تبقي الجرح مفتوحا وتسرق من القلب ما تبقى له من سلام.
ولا تشعر بالانتصار لأن الانتصار لم يكن يوما هدفها ولم تكن تبحث عن غلبة بل عن عدل بسيط وعن
تشعر فقط بحزن هادئ.
حزن لا يوجع بل يذكر.
حزن يشبه أثر المطر بعد انقطاع طويل لا يغرق الأرض لكنه يترك رائحة لا تنسى.
وتشعر بطمأنينة متأخرة
طمأنينة جاءت بعدما وضعت الأشياء في أماكنها الصحيحة
وبعدما عاد لكل شيء اسمه الحقيقي
ولكل شخص حده الواضح.
ويقين ثابت لا يتزعزع
يقين امرأة عرفت بعد عمر كامل
أن الصمت ليس ضعفا دائما
وأن الكلام ليس شجاعة دائما
وأن القوة الحقيقية قد تكون في الانتظار
وفي اختيار اللحظة التي تقال فيها الحقيقة دون صراخ.
فثمة صمت يؤلم حين يفرض
حين يستخدم لإسكات الحق
وحين يترك الظلم يتمدد في الظل.
وثمة صمت يشفي حين يختار
حين يكون قرارا واعيا
وحين يصبح طريقا لحفظ الكرامة لا لدفنها.
وثمة بيوت
قد تنتظر طويلا
وقد تصبر أكثر مما ينبغي
وقد تحتمل ما لا يحتمل
لكنها مهما طال الزمن
ومهما تعاقبت
ومهما تغيرت الأصوات
لا بد أن تقول الحقيقة يوما ما.