طلب زوجة بالمراسلة… ثلاث هربن من بيته المعلّق على الهاوية، والرابعة غيّرت كل شيء!

لمحة نيوز

خافت
هل تريدين أن أبقى في الانتظار
لم تجب لأن الباب انفتح في تلك اللحظة. خرج رجل طويل القامة يمسح يديه بقطعة قماش. كان تاديو. عريض الكتفين مهذب اللحية بعينين عميقتين تحملان ثقل تجارب كثيرة بلا ادعاء. خلع قبعته باحترام كأن إلينا أهم من خوفه.
السيدة إلينا قال بصوت هادئ أهلا بك.
نزلت إلينا وساقاها ترتجفان لكن كبرياءها ثابت. تبادلا نظرة قصيرة بدت طويلة.
شكرا لك يا سيد ألكانتارا.
حمل تاديو الحقيبة وقال
سأريك المنزل.
كان الداخل نظيفا دافئا مبنيا بيدين محبتين لكنه مأهول برجل واحد. طاولة خشبية متينة موقد حطب رائحة نشارة الخشب وزيت الكتان. غرفتان. ثم قال بصوت خال من أي تهديد
يمكنك الإقامة في الغرفة المجاورة. سيأتي كاهن القرية الأسبوع المقبل. لن أجبرك على شيء. وإن قررت الرحيل فلن يحاسبك أحد.
في تلك اللحظة أدركت إلينا أمرين أن هذا الرجل شريف وأنه خائف.
سأبقى قالت بثبات على الأقل حتى أعرفك.
مر الارتياح على وجه تاديو كوميض شمس خجول.
مرت الأيام الأولى كاتفاق صامت. كانت إلينا تنظف وتكنس وتخيط وتعد الطعام. وكان تاديو يعمل في ورشته وصوت الخشب تحت يديه يملأ المكان كصلاة. تناولا الطعام معا بصمت لكنه لم يعد صمتا خانقا بل راحة.
في إحدى الليالي سمعت إلينا صوتا غير صوت الرياح بكاء مكتوما خلف باب تاديو. لم يكن بكاء صاخبا بل أنين رجل يجاهد كي لا
ينكسر. جلست إلينا على سريرها تعانق شالها وفكرت لأول مرة لقد جئت لأبقى على قيد الحياة ودخلت جرح إنسان آخر.
بعد عشرة أيام جاءت دونيا أولاليا صاحبة متجر القرية امرأة صلبة البنية عركتها السنين ولم تكسرها بعينين يقظتين تعرفان أكثر مما تقولان ومنديل داكن يلف رأسها بإحكام. صعدت درجات الشرفة بقدمين ثابتتين غير عابئة بالصرير ولا بالفراغ الهائل خلفها ووقفت كأنها اعتادت النظر في الهاويات دون أن ترتجف.
قالت وهي تتفحص إلينا بنظرة فاحصة لا تخلو من إعجاب صامت
أنت إلينا جئت لأرى المرأة التي تجرأت على البقاء.
ثم وضعت ما حملته على الطاولة الخشبية كيسا من الدقيق وقطعة ملفوفة من حلوى الجوافة ولفافة من قماش أبيض ناعم كأنها تقدم قرابين سلام.
خفضت صوتها واقتربت قليلا وقالت بنبرة تعرف طريقها إلى القلب
الناس هنا يخترعون اللعنات كي لا يواجهوا الحزن يا ابنتي وهناك دائما من يعرف كيف يربح من الخوف.
علقت العبارة في ذهن إلينا كما يعلق الشوك في الثوب لم تؤلمها فورا لكنها رفضت أن تزول.
وفي اليوم الذي نزلت فيه إلينا إلى القرية برفقة تاديو بدأت تسمع الهمسات تتناقل اسما واحدا بإلحاح أوريليانو موندراغون.
مالك أراض شاسعة صاحب مال ونفوذ رجل يعرف كيف يبتسم وهو يضغط على رقاب الآخرين. قيل إنه يحاول منذ سنوات شراء أرض تاديو لا طمعا في البيت المعلق على الحافة بل في
جدول الماء النقي القريب الذي يغذي القرية ومن دونه تموت الحقول عطشا.
لم يطل الانتظار.
ظهر أوريليانو في اليوم نفسه ممتطيا حصانا قويا يلمع سرجه تحت الشمس وعلى شفتيه ابتسامة باردة لا تمنح الدفء. ألقى نظرة متفحصة على إلينا نظرة من اعتاد تقدير الأشياء بثمنها.
قال ساخرا
إذن أنت التي بقيت. ألا تخافين النوم هناك على حافة الموت
رفعت إلينا رأسها وثبتت نظرها في عينيه دون تردد وقالت بهدوء حاد
أخاف أكثر من العيش بضمير ملوث.
ضحك أوريليانو ضحكة قصيرة جافة ثم التفت إلى تاديو وعرض عليه مبلغا يكفي ليغير حياة أي رجل.
لكن تاديو شد فكيه وقال بصوت لا يقبل المساومة
لا أبيع. لأن بيع الأرض
يعني تجفيف الجدول وهناك عائلات تشرب من مائه.
رحل أوريليانو لكن عينيه تركتا خلفهما تهديدا واضحا كأنه وعد مؤجل.
في تلك الليلة تغير كل شيء.
انقلب اتجاه الرياح ولبدت الغيوم السماء ثم جاءت العاصفة بعنف غير مألوف. الرعد كان يهز جدران البيت والمطر يجلد الشرفة ومن الوادي صعد صوت عميق كأنه زئير كائن غاضب.
ثم سمعت حجارة تتساقط.
وبين ضربات المطر ترددت خطوات.
تمتم تاديو وقد شحب وجهه
انهيار
اهتز البيت فتعلقت إلينا به دون وعي وشعرت فجأة بثقل الجرح الذي يحمله هذا الرجل. فهمت دون أن يشرح أن العاصفة القديمة لم تبتلع بيتا فقط بل ابتلعت زوجته وابنته وتركته واقفا على الحافة حيا بجسد
مكسور من الداخل.
وفجأة لمع برق قوي وفي ضوئه الخاطف رأت إلينا ظلا يتحرك قرب الحافة منحن يدفع شيئا نحو الفراغ.
همست بفزع
تاديو هناك أحدهم في الخارج.
خرج الاثنان معا ملتصقين بجدار البيت والمطر يضرب وجهيهما بلا رحمة. خلف صخور قريبة وجدا رجلا يحاول إسقاط الحجارة عمدا مستخدما عصا وحبلا ليصنع وهم الانهيار.
حاول الرجل الفرار لكنه انزلق. أمسكه تاديو بقوة وتحت ضغط الخوف والبرد اعترف
أوريليانو هو من أرسلني. قال إن الخوف سيجعل المرأة ترحل وحينها ستبيعون.
عندها فقط انكشف كل شيء.
لم تكن لعنة.
لم يكن الوادي شريرا.
كان الطمع متخفيا في ثوب الخرافة.
مع بزوغ الفجر نزلت الحقيقة إلى القرية وانتشرت أسرع من الشائعات. واجه الناس أوريليانو ووجد نفسه وحيدا أمام غضب من يعتمدون على الماء. وفي الصباح كان الخوف هو من يهرب هذه المرة.
وقف تاديو عند حافة الشرفة والضوء الأول يلمس الجبال وقال بصوت مكسور لكنه صادق
كنت أظن الوادي عدوي لكنه الخوف والخوف وحده.
أمسكت إلينا يده بثبات وقالت
لن أسمح لكذبة أخرى أن تسلبنا حياتنا.
بعد أسابيع تزوجا في الكنيسة الصغيرة. لم يكن الاحتفال صاخبا لكنه كان صادقا.
وبنيا لاحقا بيتا جديدا في أرض آمنة لا تطل على هاوية بل على مستقبل مفتوح.
لأن ثلاث نساء هربن حين رأين الفراغ.
أما إلينا فبقيت.
وببقائها لم تنقذ رجلا فحسب بل أعادت تعريف
معنى البيت ومعنى الشجاعة ومعنى أن تختار الحياة رغم الخوف.

تم نسخ الرابط