دخل السجن مليونيرًا… وخرج أبًا بفضل خادمة أنقذت ابنه

لمحة نيوز

ونظرت للمرة الأخيرة إلى الحياة التي عرفتها ثم خرجت إلى عتمة الليل. لم تكن تركض من أجل حريتها فقط بل من أجل حياة بريئة لا ذنب لها.
لم يكن هروب فيوليتا سباقا بل كان مطاردة.
تحولت مدريد إلى متاهة من الظلال والتهديدات. كل سيارة سوداء متوقفة عند زاوية بدت وكأنها تحمل رجال أوغستو وكل صفارة شرطة كانت تجعل جسدها يرتجف ظنا منها أن خدمات الرعاية ستأتي لتنتزع سيباستيان من بين ذراعيها لتسلمه دون أن تدري إلى الوحش نفسه الذي يسعى لاختطافه. كان ملجؤها الأول شقة صغيرة في حي لافابييس حصلت عليها بفضل شهامة محامي فرناندث أغيري الحليف الوحيد الآخر الذي تبقى لنا. هناك بين جدران متشققة وضجيج المدينة حاولت فيوليتا أن تصنع بيتا مؤقتا.
لكن أوغستو ميندوزا كان يملك موارد لا حدود لها. استأجر وكالة من المتعقبين محترفين لا يتركون أثرا ويعثرون على الإبر في أكوام القش الرقمية. كانت صورة واحدة التقطتها كاميرا مراقبة قرب مكتب المحامي كافية لتحديد موقعهم. اضطرت فيوليتا إلى الهرب مجددا هذه المرة وأنفاس المطاردين تكاد تلامس عنقها شاعرة بأن الطوق يضيق حولها. اتجهت إلى برشلونة بحثا عن مأوى لدى قريبة بعيدة تدعى كارميلا. لبضعة أيام بدا وكأن العالم منحهم هدنة قصيرة. تعلم سيباستيان الزحف على سجادة كارميلا البالية يضحك غير
مدرك للخطر وعيناه الزرقاوان لا تفارقان فيوليتا أمه التي اختارها قلبه.
لكن السلام كان وهما.
في عصر أحد أيام الأحد طرق رجلان الباب مدعيين أنهما من خدمات الرعاية الاجتماعية في كاتالونيا. كانا يحملان بطاقات مزورة لكن المسدس الذي لمحته فيوليتا تحت سترة أحدهما كان حقيقيا تماما. كان غريزتها في البقاء وشجاعة زوج كارميلا الذي أمسك بمفتاح إنجليزي ما حال دون الاختطاف في اللحظة الأخيرة. الصراخ العراك عند الباب وبكاء سيباستيان المرعوب في تلك اللحظة فهمت فيوليتا أنه لا مكان في إسبانيا يمكن أن يكونوا فيه آمنين. أوغستو لن يتوقف حتى يحصل على الطفل.
دفعتها اليأس نحو الجبال.
عبروا الحدود إلى أندورا في سيارة أحد الأقارب مختبئين كالمجرمين. لجؤوا إلى فندق ريفي معزول وسط الثلوج يملكه رجل يدعى بيرنات لا يطرح أسئلة. كان المشهد الطبيعي مهيبا في بياضه وصمته لكن البرد تسلل إلى عظام فيوليتا. هناك معزولة عن العالم كانت تتابع الأخبار عبر تلفاز صغير. كانت ترى وجهي في نشرات الأخبار شاحبا ومنهكا أصرخ ببراءتي في المحاكم بينما ترفض القاضية الإفراج عني وتأمر بتعميم البحث عن الطفل المختفي. كانوا يصورونني وحشا ويصورونها خاطفة. كان ألم الظلم يكاد يكون جسديا.
كانت شبكة أوغستو تواصل إحكام قبضتها.
رسالة مجهولة وصلت إلى هاتف
فيوليتا المؤقت أرسلتها مفتشة شرطة بدأت تشك في الحقيقة حذرتها إنهم يعرفون مكانك. اخرجي الآن. كان الهروب عند منتصف الليل والثلج يتساقط بكثافة وصمت. سارت فيوليتا كيلومترات طويلة وسيباستيان مربوط إلى صدرها تحت معطفها تشعر بدفء جسده كأنه الشيء الوحيد الذي يبقيها على قيد الحياة. سائق شاحنة فرنسي روح رحيمة في عالم مليء بالذئاب أقلهما من الطريق وأوصلهما إلى تولوز في فرنسا.
هناك في ظلال كنيسة سان سيرنان وجدا الأب ماثيو صديقا قديما للمفتشة. لم يمنحهما الكاهن ملجأ فحسب بل أعطاهما مفتاح الهجوم المعاكس. كانت لديه حقيبة. حقيبة تحتوي على ماضي أوغستو المظلم وفاة ابنه الأول شهادات ممرضات أسكتن وأدلة على أن هوسه لم يكن حبا أبويا بل جنونا. قال لها لا يمكنك الاستمرار في الهرب يا ابنتي. لإنقاذ سيباستيان عليك أن تتوقفي عن الاختباء وتبدئي القتال.
وقاتلت فيوليتا.
تواصلوا مع لوسيا كورتيس صحفية استقصائية من صحيفة إل باييس لا تخاف شيئا. في غرفة صغيرة داخل دير فرنسي روت فيوليتا قصتها كاملة. لم تخف شيئا تخلي ماريانا بيع مجوهراتها والحب العميق الذي تكنه لطفل لا يحمل دمها لكنه يسكن قلبها. في اليوم التالي استيقظت إسبانيا على الحقيقة منشورة في الصفحة الأولى. كان المقال قنبلة مدوية. انقلب الرأي العام رأسا على عقب.
فجأة لم نعد الأشرار كنا ضحايا شبكة فساد وجنون.
لكن أوغستو وقد حشر في الزاوية لعب ورقته الأخيرة.
هرب من إسبانيا قبل أن تتمكن الشرطة من اعتقاله عابرا الحدود إلى فرنسا بهدف واحد قتل فيوليتا وخطف الطفل. كانت المواجهة الأخيرة قرب دير تولوز أكثر لحظة رعب في حياتي. كنت قد حصلت على الإفراج المؤقت بفضل الأدلة الجديدة ووصلت في الوقت المناسب لأرى ابني بين ذراعي فيوليتا. لكن اللقاء قطع بوصول رجال أوغستو.
حوصرنا على طريق فرعي أغلقت السيارات السوداء الطريق. نزل أوغستو مبتسما بتلك الابتسامة المنتصرة التي أعرفها جيدا. وجهت الأسلحة نحونا. لفت فيوليتا جسدها حول سيباستيان مستعدة لتلقي الرصاص. وقفت أمامهما مستعدا للموت إن كان ذلك سيمنحهما ثانية واحدة إضافية للحياة. قال أوغستو متلذذا انتهت اللعبة.
لكن الصوت الذي شق الهواء لم يكن طلقا ناريا بل هدير مروحيات الدرك الفرنسي وصفارات الشرطة الإسبانية التي نسقت العملية بفضل الصحفية والمفتشة. خلال ثوان تحول الصياد إلى فريسة. رؤية أوغستو راكعا على الأسفلت مكبل اليدين يصرخ بالشتائم بينما تؤمن الشرطة المكان كانت اللحظة التي عدت فيها أتنفس بعد شهور من الاختناق.
ومع ذلك لم تكن النهاية السعيدة في سقوط عدوي بل فيما تلاه.
مرت ستة أشهر منذ ذلك اليوم على الطريق الفرنسي.
استعادت مدريد إيقاعها
تم نسخ الرابط