رشّها بالماء ليُهينها… فحوّلت الإهانة إلى قضية هزّت مدينة كاملة

لمحة نيوز

صيغت بعناية لتقال ثم تنسى بل مساحة اعتراف جماعي وجرأة متأخرة ومواجهة لم يكن أحد متأكدا من قدرته على تحملها.
تقدم أناس عاديون رجالا ونساء لا يحملون ألقابا ولا مناصب بعضهم يتكلم للمرة الأولى أمام جمع وقد ارتجفت أصواتهم كما ترتجف اليد حين تمسك شيئا ثقيلا بعد طول إهمال وبعضهم ظل صامتا لسنوات طويلة حتى كاد ينسى صوته وكأن الكلمات نامت في داخله انتظارا لهذه اللحظة. وقفوا واحدا تلو الآخر وتكشفت حكايات لم ترو من قبل.
رووا قصصا عن إهانات صامتة عاشوها في زوايا المدينة عن مواقف صغروا فيها أمام أنفسهم لأنهم خافوا وعن لحظات آثروا فيها الصمت ظنا أنه نجاة فإذا به يتحول مع الوقت إلى عبء أثقل من المواجهة نفسها. تحدثوا عن نظرات مهينة وعن كلمات جارحة قيلت بلا اكتراث وعن شعور قديم بالعجز تراكم حتى صار جزءا من الحياة اليومية.
كانت الكلمات تخرج مترددة أحيانا متكسرة وغاضبة أحيانا أخرى حادة كأنها تحاول تعويض سنوات من الكبت لكنها في كل مرة كانت صادقة غير قابلة للاسترجاع وكأن من نطق بها يعرف أن هذه اللحظة إن ضاعت لن تعود.
ومع كل شهادة تقال كانت طبقة جديدة من الفهم تضاف إلى المشهد كأن ستارا ثقيلا يرفع ببطء عن وجه المدينة. اتضح للجميع شيئا فشيئا أن ما حدث لم يكن حادثة منفصلة
ولا زلة فردية عابرة يمكن طيها بقرار إداري أو اعتذار متأخر بل كان عرضا لمرض أعمق ترسخ عبر الزمن مرض اسمه الاعتياد على إهانة الآخر والتعامل مع السلطة بوصفها امتيازا لا يسأل عنه ولا يراجع وكأنها ملك خاص لا مسؤولية عامة.
ومع كل كلمة تقال كانت المدينة تواجه نفسها للمرة الأولى منذ زمن طويل دون أقنعة تخفي القبح ودون أعذار جاهزة تبرر الصمت. كانت الوجوه في الساحة تتبدل بعض العيون تطرق خجلا وكأنها ترى ماضيها منعكسا في كلمات الغرباء وأخرى تحدق في الفراغ كأنها تستعيد لحظات مشابهة مرت عليها ولم تجد يوما شجاعة الاعتراف بها. كان الاعتراف ينتقل من فرد إلى آخر حتى صار صدى جماعيا لا يمكن تجاهله.
استمعت ألينه إلى كل ذلك بصمت كامل صمت لم يكن حيادا ولا انسحابا بل إنصاتا واعيا ومسؤولا. لم تقاطع أحدا ولم تظهر انتصارا ولم تبحث عن لحظة مجد شخصية تضاف إلى سيرتها أو ترفع بها صورتها. كانت تدرك أكثر من أي وقت مضى أن القضية لم تكن تتعلق بالماء وحده ولا بشخص واحد بل بمدينة كاملة تجبر أخيرا على أن تعيد تعلم معنى الاحترام وحدود السلطة وثمن الصمت حين يطول أكثر مما ينبغي.
كانت تعرف أن العدالة الحقيقية لا تقاس فقط بالأحكام والقرارات بل بما توقظه في النفوس وبما تزرعه من وعي جديد وبما
تتركه من أثر باق في الذاكرة الجماعية. وأن ما حدث مهما بدا مؤلما وقاسيا فتح بابا لم يكن من السهل فتحه من قبل بابا سيصعب إغلاقه بعد الآن.
وفي تلك الليلة حين عادت إلى منزلها وأغلقت نافذة الغرفة بهدوء وقفت لحظة أطول من المعتاد تنظر إلى الشارع الهادئ تحت ضوء المصابيح الخافت. كانت السيارات القليلة تمر ببطء كأنها تخشى أن تزعج السكون والأرصفة ساكنة لا يعبرها سوى ظلال متقطعة. غير أن ذلك السكون لم يكن فراغا ولا خواء بل كان أشبه بما يأتي بعد عاصفة طويلة أنهكت الجميع عاصفة لم تحطم الجدران لكنها غيرت ملامح المكان في العمق دون أن يلحظها أحد فورا.
شعرت للمرة الأولى منذ أيام بأن الهواء أخف وأن أنفاسها تعود إلى إيقاعها الطبيعي. كان الإحساس غريبا كأن المدينة نفسها تفتح صدرها وتجرب أن تتنفس من جديد ببطء بحذر ولكن بصدق لم تعتده منذ زمن. أدركت أن الهدوء الذي يملأ المكان ليس نهاية بل بداية هشة تحتاج إلى وعي طويل حتى تستقر.
تقدمت خطوة إلى الوراء وأسندت ظهرها إلى الجدار وأطلقت زفيرا طويلا لم تكن تعلم أنها تحبسه منذ ذلك الصباح البعيد في الساحة. مرت الصور في ذهنها متداخلة الوجوه الأصوات الصمت الثقيل والاعترافات التي خرجت أخيرا إلى الضوء. أحست بثقل يغادر صدرها لا لأنه زال
تماما بل لأنه لم يعد حبيسا داخلها وحدها.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة هادئة صادقة. لم تكن ابتسامة نصر شخصي ولا شماتة ولا تعويضا عن إهانة بل ابتسامة من يفهم أن ما جرى أكبر من فرد وأعمق من واقعة. ابتسامة من يعرف أنه لم يهدم جدارا كاملا لكنه أحدث فيه شرخا حقيقيا شرخا أجبر الضوء على الدخول.
كان ذلك الشرخ صغيرا في الظاهر قد لا يراه من يمر سريعا لكنه كان عميقا في المعنى ممتدا في الوعي. شرخا لا يغلق بالإسمنت ولا يرمم بالصمت ولا يخفى بالإنكار لأن ما انكشف أمام الضوء لا يعود إلى الظل مرة أخرى ولأن الحقائق حين تقال بصدق تترك أثرا لا يمحوه الزمن بسهولة.
كانت تدرك في تلك اللحظة الصامتة أن المدن تشبه البشر أكثر مما نعتقد تخاف تصمت تتأقلم ثم تأتي لحظة تضطر فيها إلى مواجهة نفسها. وحين تفعل ذلك بصدق مهما كان مؤلما فإنها لا تعود كما كانت أبدا. قد تتعثر وقد تتباطأ لكنها تبدأ أخيرا في السير في اتجاه مختلف اتجاه لا يسمح بعودة الجدران القديمة إلى صلابتها الزائفة.
أطفأت الضوء وتركت الغرفة تغرق في عتمة هادئة وهي تعلم أن الصباح القادم لن يكون عاديا لا لها ولا للمدينة. فبعض الشرخات حين تبدأ لا تعلن نهايتها بل تفتح طريقا جديدا طريقا لا يرى فورا لكنه يحس في كل نفس يؤخذ
بعد ذلك.

تم نسخ الرابط