مش كل اللي بيوجع بيبان… قصة بنت أكلها الخوف من جوّه
حركة.
ولا حتى صوت خطوات ممرضة في الممر الطويل.
المستشفى كلها كانت ماشية.
أبواب بتفتح وتتقفل.
عربيات إسعاف داخلة.
أجهزة بتصفر.
ناس بتضحك وناس بتعيط.
بس إحنا واقفين.
محبوسين في لحظة واحدة بين باب مقفول ونور أحمر.
محمود قعد على الأرض ضهره للحائط.
راجل كان دايما واقف.
واقف بصوته.
واقف برأيه.
واقف بقراره اللي ما بيتراجعش.
دلوقتي قاعد.
مش بس قاعد
صغير.
منكمش.
كأنه فجأة شاف نفسه من غير الدرع اللي كان مستخبي وراه.
حاطط راسه بين إيديه.
إيدين كانوا دايما مرفوعين بالأمر والنهي.
دلوقتي ماسكين راسه كأنه خايف دماغه تنفجر.
كتافه بيتهزوا.
مش هزة غضب.
ولا هزة عصبية.
هزة بكاء حقيقي.
مش بيمثل.
مش بيتعصب.
مش بيحاول يبان قوي.
بيعيط بجد.
مش دموع غضب.
ولا دموع عناد.
دموع ندم خالص
النوع اللي ييجي متأخر بس يوجع أكتر.
همس بصوت مخنوق واطي كأنه بيكلم نفسه علشان ما ينهارش قدامي
أنا كنت
كنت فاكر الشدة هتطلعها قوية.
كنت فاكر إن العياط ضعف وإن السكوت قوة.
سكت شوية خد نفس تقيل وبعدين صوته انكسر
مكنتش أعرف إني كنت قاسي كده.
مكنتش أعرف إن كل كلمة مني كانت بتسيب علامة.
مكنتش أعرف إن نظرة واحدة كانت كفاية تكسرها.
بلع ريقه بالعافية وكمل
مكنتش أعرف إني باكل في روحها حتة حتة
يوم ورا يوم
لحد ما خليتها تاكل في نفسها علشان تهرب.
فضل باصص في الأرض وكأن البلاط قدامه فيه كل الإجابات اللي ما سألهاش زمان
كنت فاكر السكوت ضعف
طلع السكوت كان استغاثة.
وكانت مستنية حد يسمع.
خرج الدكتور أخيرا.
وشه باين عليه التعب عيون سهرانة خطوط مجهدة
بس في عينه حاجة تانية
طمأنينة.
الابتسامة الخفيفة دي كانت أول نفس أتنفسه من ساعتين.
نفس طالع من صدر كان محبوس.
قال بهدوء
العملية نجحت.
شيلنا كتلة الشعر بالكامل.
الحمد لله لحقناها في الوقت المناسب.
وقف لحظة وكأنه بيجهزنا
لو اتأخرنا شوية كمان كانت المعدة اتدمرت.
ويمكن أكتر من كده.
بص لنا الاتنين وقال بنبرة جادة
بس خليكم فاكرين
اللي اتكسر جواها مش هيتصلح بمشرط.
الجرح النفسي ما بيتخيطش.
ده محتاج وقت.
واحتواء.
وصبر حقيقي مش كلام.
بعد أسبوع سلمى رجعت البيت.
بس البيت
ما كانش هو هو.
كأن الجدران نفسها خدت نفس.
كأن السقف نزل سنة لتحت وبقى أقرب.
كأن المكان اتغسل من جوه.
الصوت العالي اختفى.
الزعيق سكت.
الهواء بقى أهدى أوسع.
الأبواب ما بقتش تتقفل بعنف.
ما بقيناش نسمع
اسكتي!
ولا انتي فاهمة حاجة
محمود بقى يقعد جنبها بالساعات.
مش علشان يدي تعليمات
علشان يسمع.
يسألها عن يومها.
عن لعبها.
عن صاحبتها.
عن الحاجة اللي ضايقتها وسكتت عليها.
يسأل
وبعدين يسكت.
يستنى الإجابة مهما طولت.
ما يقاطعش.
ما يقللش.
ما يستهينش.
بقى يفهم إن التربية مش قوة إيد.
ولا سيطرة.
ولا خوف.
التربية حضن يتفتح وقت
صوت واطي وقت الانهيار.
كلمة طيبة تيجي في وقتها
وتداوي جروح سنين.
الوجع النفسي أصعب من العضوي.
علشان ملوش أشعة.
ملوش تحليل.
ملوش مسكن.
بس بيوجع.
وبيكسر من جوه في صمت
من غير ما حد ياخد باله.
علشان كده
لما ابنك أو بنتك يشتكوا
اسمعوهم بقلبكم قبل ودانكم.
البيوت بتتبني بالثقة.
بالأمان.
بإحساس الطفل إنه يقدر يغلط ويتكلم ويتعب
من غير ما يتهاجم أو يتسخر منه.
بلاش تخلي ولادك يخافوا منك لدرجة إنهم يخبوا وجعهم.
أو يوجهوه لنفسهم.
أو يأذوا روحهم علشان ينجوا.
المرض مش دايما ميكروب.
أوقات كتير بيبقى كلمة قاسية.
نظرة استهانة.
أو صمت طويل ما حدش سأل فيه
مالك
سلمى النهارده رجعت تلعب كورة.
رجعت تقع وتقوم وتضحك.
رجعت تتخانق وتتصالح وتعيش.
رجعت اللمعة لعينها.
اللمعة اللي كانت مطفية ومحدش واخد باله.
والأهم من كل ده
إنها لقت الأمان جوه بيتها
قبل ما تضطر تدور عليه بره.
لو الكلام
افتكر إن كلمة منك ممكن تنقذ روح.
وإن حضن واحد في وقته
ممكن يمنع وجع عمره ما ينسى.
مش كل وجع بيبان
بس كل وجع محتاج حد يسمعه.
تحياتي