باعها الفقر لرجلٍ ثري… لكن صبره علّمها الحياة، فاشترته روحها من جديد
في داخل ولاية ميناس جيرايس كانت تعيش ماتيلدي ألفيش فتاة في العشرين من عمرها لم تخط يوما خطوة واحدة خارج ما رسمه لها والدها من توقعات وحدود.
كان والدها والتر ألفيش رجلا صارما معتدا بنفسه يعمل في الزراعة ويؤمن بأن قيمة المرأة تقاس بعفتها وطاعتها وصمتها.
نشأت ماتيلدي مختبئة خلف الستائر فبينما كانت الفتيات في سنها يضحكن ويرقصن ويحلمن بالحب لم تتعلم هي سوى الخياطة والطهي وإبقاء نظرها مطأطأ إلى الأرض.
لم تمسك يد رجل قط.
لم تتحدث يوما إلى رجل على انفراد.
لم تكن حياتها تعاش بل كانت تراقب.
لكن في ذلك العام حل الخراب.
ضرب جفاف طويل أرجاء ميناس فدمر المحاصيل وأهلك الماشية. فقد والتر عمله في المزرعة وسرعان ما أصبحت مخازن الطعام شبه فارغة.
لأيام متتالية عاشت ماتيلدي وإخوتها على عصيدة ذرة مائية بالكاد تبقيهم أحياء.
كان الأطفال يبكون جوعا في الليل
وأمها دونا روزا كانت تبكي بصمت عند الفجر.
وفي إحدى الليالي سمعت ماتيلدي أصواتا قادمة من غرفة الجلوس. اقتربت بحذر فالتقطت اسما تردد في الحديث آرثر سيلفا.
كان الجميع في المنطقة يعرف هذا الرجل مالك الأراضي المنعزل الذي يعيش وحيدا في ملكية واسعة على أطراف القرية.
كان في الخامسة والأربعين من عمره ثريا محترما لكنه يعيش في وحدة غامضة.
لم يره أحد يوما يغازل امرأة
وحين غادر الزائر ناداها والدها لتجلس أمامه.
كان صوته يرتجف لا تأثرا بل خجلا.
قال دون أن ينظر إليها
ماتيلدي آرثر سيلفا طلب يدك للزواج.
تجمدت في مكانها كأن الأرض التصقت بقدميها وكأن الكلمات التي سمعتها سحبت منها القدرة على الحركة والتنفس معا. شعرت بأن الزمن توقف عند تلك اللحظة وأن كل ما عاشته من قبل كان مجرد مقدمة قصيرة لهذا القرار الذي يتخذ عنها لا معها.
همست بصوت واهن بالكاد خرج من بين شفتيها المرتجفتين
لكنني لا أعرفه حتى.
لم يرفع والدها عينيه إليها. كان ينظر إلى نقطة ثابتة في الأرض وكأنه لو نظر إلى وجهها لانكسر. قال بإصرار حاول أن يبدو فيه حازما لكنه كان مثقلا بالخجل
إنه رجل صالح. سيعتني بك وبنا جميعا.
في تلك اللحظة لم تحتج ماتيلدي إلى كلمات أخرى لتفهم الحقيقة كاملة. كانت عينا أمها المتورمتان من كثرة البكاء والسهر كفيلتين بفضح ما لم يجرؤ والدها على قوله صراحة. لم يكن هذا حديث زواج ولا اختيارا ولا حتى تضحية مشتركة
كان صفقة.
ارتجف صوت ماتيلدي وهي تجمع شجاعتها لتسأل السؤال الذي كانت تخشاه أكثر من أي شيء
كم عرض
ابتلع والتر ريقه بصعوبة وكأن الرقم ثقيل في حلقه ثم قال بصوت منخفض
ألفا كروزيرو.
شعرت وكأن الهواء انسحب فجأة من صدرها. ضاقت الغرفة وضاق قلبها معها. كان المبلغ كافيا
لكن ثمنه كان حريتها.
قالت بصوت مكسور لم تستطع أن تخفي فيه الألم
أبي هل تبيعني
لم يجب.
وكان صمته أقسى من أي كلمة.
مرت الأيام التسعة التالية كأنها حلم ثقيل خانق حلما لا تستطيع الاستيقاظ منه مهما حاولت. كانت ماتيلدي تتحرك بين الناس كجسد بلا روح تلبس ما يعطى لها تأكل حين يطلب منها وتستمع للتعليمات بصمت مطبق لكن داخلها كان بعيدا معلقا في مكان لا يصل إليه أحد. كانت تشعر وكأنها تراقب نفسها من الخارج فتاة أخرى تمشي بدلا عنها فتاة قدر لها أن تساق لا أن تختار.
وحين جاء يوم الزفاف ألبسوها فستان العرس الذي أمر آرثر بتفصيله خصيصا لها. كان جميلا أبيض ناصعا محكم الصنع تتدلى أطرافه برفعة وأناقة. غير أنها حين نظرت إلى نفسها في المرآة لم تر عروسا بل رأت كفنا مطرزا يبتسم للناس بينما يبتلع أحلامها في صمت.
مشت نحو المذبح بخطوات بطيئة تشعر أن كل خطوة لا تقربها من حياة جديدة بل تنزلها درجا طويلا نحو قبر مفتوح. كانت العيون تلاحقها والهمسات تملأ المكان بعضهم يبتسم بعضهم يشفق وبعضهم لا يرى فيها سوى صفقة ناجحة. لكنها لم تر أحدا. كان المشهد كله ضبابيا بعيدا كأنه لا يعنيها.
حدثت قبلتها الأولى أمام غرباء بلا حب بلا اختيار بلا أي
وفي تلك الليلة كانت يداها ترتجفان وهي تعبر عتبة بيت زوجها الجديد بيتا أوسع مما تخيلت أعلى سقوفا وأشد صمتا. كان بيتا جميلا من الخارج لكنه من الداخل بدا باردا كأن الجدران لم تعرف الدفء يوما. كانت الأروقة طويلة يردد صداها خطواتها المرتبكة وكأن الوحدة مقيمة فيه منذ سنوات تعرف المكان وتحرسه.
حين أغلق آرثر باب غرفة النوم خلفهما شعرت ماتيلدي بأن قلبها يكاد يقفز من صدرها. عاد إليها كل ما زرع في عقلها منذ طفولتها الخوف الطاعة الاستسلام. توقعت ما توقعته طوال حياتها أمرا لا يناقش فرضا لا يرد نهاية لما تبقى لها من إرادة.
لكن شيئا لم يحدث.
قال آرثر بصوت منخفض هادئ على غير ما توقعت صوت رجل يعرف ثقل اللحظة
ماتيلدي قبل أن يحدث أي شيء هذه الليلة علي أن أخبرك بالحقيقة.
نظرت إليه بحيرة بعينين امتلأتا بالخوف والأسئلة والارتياب.
تنفس آرثر بعمق وكأن الكلمات التي سيقولها ظلت حبيسة صدره سنوات طويلة ثم قال ببطء
والدك لم يبعني زوجة بل باعني فرصة لإنقاذ إنسانة تستحق ما هو أفضل من الفقر والبؤس.
عقدت حاجبيها ولم تفهم. بدت الكلمات غريبة متناقضة مع كل ما عاشته حتى تلك اللحظة كأنها لا تنتمي إلى الواقع الذي سحقت فيه إرادتها. كيف يمكن لقسوة كهذه لصفقة أبرمت على حساب روحها أن تخفي خلفها