تخلّى عنهم زوج أمّهم وتركهم للجوع… لكن طفلًا عبقريًا حوّل الخراب إلى مزرعة بملايين!
المحتويات
موجودا بالنسبة لنا يا صوفي. الأرض لمن يعملها ونحن نوقظها.
وفي نهاية الأسبوع الرابع خرج إلى الساحة وتوقف. من قشرة الأرض الجافة برزت نقاط خضراء صغيرة براعم فجل وخس ضئيلة هشة معجزات.
سقط ماتيو على ركبتيه. لا من التعب بل من الفرح الخالص.
همس
نجحنا.
وللمرة الأولى ترك دمعتين تنسابان دون مقاومة.
وفي إحدى الأمسيات بينما كان ينظف الإسطبل المتهدم سمع صوت محرك يقترب. لم تكن سيارة راؤول. كانت شاحنة بيضاء تحمل شعار البلدية.
الخدمات الاجتماعية.
تجمد ماتيو في مكانه. لو عثروا عليهما سيفصلونهما. المملكة القلعة المزرعة ستتحول إلى ملف.
لم يكن لديه سوى دقيقتين.
قال هامسا
صوفي اختبئي تحت الدرج. لا تصدري صوتا مهما حصل.
حين طرقوا الباب فتح ماتيو بابتسامة مدروسة وكتاب نباتات تحت ذراعه كطالب مجتهد.
تفحصت العاملة الاجتماعية السيدة ليتيثيا ميندوزا المكان بعين خبيرة جدران قديمة فقر ظاهر لكن نظافة لافتة.
قالت مباشرة
بلغنا أن طفلين يعيشان هنا وحدهما بعد أن غادر زوج أمهما.
ثبت ماتيو نظره
راؤول رحل منذ مدة نعم لكن عمي ألبرتو تولى الأمر. هو مهندس زراعي. نعيد تأهيل المزرعة.
قادهم سريعا إلى الحديقة. تحدث بمصطلحات لا يفترض أن تصدر عن فم طفل النيتروجين الأس الهيدروجيني التمثيل الضوئي التدفق التبخر. عرض عليهم نظام الري بالتنقيط المصنوع
حك المفتش ذقنه مرتبكا
وتقول إن عمك
سيعود قريبا. ذهب لجلب قطعة لمضخة الماء.
لم يستطع أحد أن يتخيل طفلا مهجورا يتحدث هكذا دون وجود بالغ خلفه. غادروا بعد تدوين ملاحظة مرضية واعدين بالعودة بعد شهر.
ما إن اختفى صوت المحرك حتى انهار ماتيو على الأرض مرتجفا. كان قد ربح وقتا. لكن الوقت صار له ثمن جعل المزرعة مربحة قبل عودتهم.
قرر ماتيو أن زراعة المعتاد لا تكفي. بنى زراعة عمودية باستخدام قنوات خشبية من البيت وابتكر نظام زراعة مائية بدلاء ومحاليل غذائية صنعها من الرماد والسماد العضوي.
ثم وجد الذهب الأسود في قاع الإسطبل أطنان من المخلفات العضوية وفضلات الخفافيش المتراكمة منذ عقود. سماد فائق القوة.
سرع عملية التحلل بالحرارة الشمسية. نمت النباتات كأنها في سباق.
قال لصوفيا وهو يرى أولى الطماطم الحمراء اللامعة
لم نعد فقط سنأكل سنبيع.
لكن ليس بسعر السوق الفقير. فهم ماتيو أن القيمة في التفرد براعم دقيقة أزهار صالحة للأكل أعشاب عطرية مثالية.
سار فجرا إلى أفخم مطعم في البلدة المجاورة. طلب مقابلة الطاهي. نظر الرجل إلى البراعم الخضراء الهشة كأنها جواهر.
سأل بدهشة
كم لديك من هذا
ما يكفي لتزويدك أسبوعيا أجاب ماتيو بثبات. لكن أريد الدفع نقدا ومسبقا.
عاد إلى البيت بطعام لائق وأول رزمة نقود في حياته. وضعها على
ثم سمع صريرا من الطابق العلوي.
أحذية.
تسلل رائحة تبغ رخيص عبر الممر.
تجمد ماتيو والنقود في يده.
لم تكن صوفيا.
قال صوت أجش من الدرج
حسنا حسنا يبدو أن الصغير كان مشغولا.
خرج راؤول من الظلال أكثر هزالا عيناه حمراوان ثيابه متسخة. لم تكن نظرته على ماتيو بل على المال. كان الجشع يلمع فيه كنار.
قال آمرا
أعطني هذا. البيت لي الأرض لي وهذا المال لي.
تراجع ماتيو خطوة. عقله حسب ألف احتمال في لحظة. لا يمكنه الانتصار بالقوة. عليه أن ينتصر بالبيئة.
قال بثبات
إن أخذت المال ستأتي الشرطة. الخدمات الاجتماعية زارتنا. يظنون أن عما يعيش معنا. إن رأوك سيعرفون أنني كذبت. وستدخل السجن بتهمة التخلي عنا.
ضحك راؤول ضحكة جافة
الشرطة لا تأتي إلى هنا إلا إذا مات أحد. أعطني المال أو أحرق نباتاتك.
كانت تلك التهديد خطأه.
شعر ماتيو بشيء بارد ووحشي في داخله. لم يعد خوفا فقط بل حماية.
قال بحزم
لن أعطيك شيئا. لكن يمكنني أن أقدم لك صفقة.
رمش راؤول بدهشة.
قيمه ماتيو بعينيه ولاحظ الطين الأحمر على حذائه طين لا ينتمي إلى هذه المنطقة. إنه هارب فكر.
قال
تبقى في الأعلى. لا تخرج. أجلب لك الطعام والتبغ. لكن لا تلمس المزرعة ولا تقترب من صوفيا ولا تدع أحدا يراك. إن خالفت قاعدة واحدة أطردك.
تردد راؤول. أراد ضربه. لكن غريزة
قال بازدراء
حسنا أيها العبقري. لكن أريد لحما كل ليلة.
أومأ ماتيو دون أن يقول إنه يخطط لشيء آخر.
لم يتأخر راؤول في إظهار حقيقته. ذات يوم نزل خطف الطعام من صوفيا وخرب جزءا من نظام الري غضبا.
كانت صوفيا تبكي في زاوية. احتضنها ماتيو بصمت.
همس
غدا تنتقل لعبة المملكة إلى مستوى آخر. للطبيعة طرق ذكية للتخلص مما لا ينفع.
في تلك الليلة لم يستخدم ماتيو القوة. استخدم العلم.
عدل أنابيب قديمة لتصدر مع دفعات الهواء وبخار الغاز الحيوي أنينا في جدران غرفة راؤول كأن البيت حي. برمج اهتزازات منخفضة التردد لا تسمع بل تحس قلق غثيان ارتياب. وبجهاز إسقاط بدائي من مرايا أطلق أضواء متقطعة بين الأشجار كأن دوريات بالخارج.
ومن أنبوب تهوية وبصوت معدل يشبه جهاز لاسلكي همس
راؤول إنهم يبحثون عنك. وصلوا. إن وجدوك هنا لن تخرج.
الرعب وقلة النوم والشعور بالذنب كلها فعلت فعلها. فر راؤول قبل الفجر بحقيبة قديمة دون أن ينظر خلفه.
راقبه ماتيو من النافذة وفي ذهنه مؤقت وهمي.
همس
انتهى.
تشبثت صوفيا بيده
لن يعود
نظر إليها ماتيو بإرهاق يشبه إرهاق الكبار
لا. وإن عاد فلن يجد طفلا. سيجد جدارا.
مرت السنوات بسرعة حين يعمل الإنسان كي لا يجوع ثانية. حول ماتيو المزرعة إلى نظام دقيق وجميل خلايا نحل زراعة مائية غاز حيوي ري تحت الأرض. تعلمت صوفيا
حين بلغ
متابعة القراءة