تخلّى عنهم زوج أمّهم وتركهم للجوع… لكن طفلًا عبقريًا حوّل الخراب إلى مزرعة بملايين!

لمحة نيوز

كان الصمت في البيت العتيق القابع على أطراف سان رافائيل دي لوس إنسينوس في ولاية فيراكروز صمتا لا يشبه السكينة. لم يكن صمت سلام بل صمت غياب ثقيلا لزجا كأن البيت نفسه يتنفس عبر جروح مفتوحة. الجدران المتقشرة كانت تحتفظ بأصداء خطوات لم تعد تعود وأرضية الخشب كانت تئن بأنين طويل كأنها هي الأخرى جائعة.
كان ماتيو ولم يتجاوز الثانية عشرة من عمره واقفا أمام نافذة المطبخ المكسورة. يحدق في الطريق الترابي الذي مرت عليه قبل ثلاثة أيام سيارة زوج أمه راؤول كارديناس تاركة خلفها أثرا من الغبار وزعته الرياح لاحقا بين مزارع البن. لم تكن تلك المرة الأولى التي يرحل فيها راؤول في مهمة عمل لكن هذا الرحيل هذه المرة حمل علامات واضحة فاضحة تقريبا لم يبق في خزانة الطعام حتى كسرة خبز قطع التيار الكهربائي في ذلك الصباح وخزانة غرفة النوم الرئيسية كانت فارغة فارغة حتى من علاقات الملابس.
كان راؤول قد أخذ معه آخر ما كان يشبه البيت ومع ذلك ترك خلفه شيئا واحدا طفلين. ماتيو وأخته صوفيا ذات الأعوام الستة وهي تحتضن دمية أرنب مفقودة إحدى أذنيها.
قالت صوفيا من عتبة الباب وهي تضم الدمية إلى صدرها
متى سيعود يا ماتيو
كانت عيناها الكبيرتان المبتلتان تبحثان في أخيها عن طمأنينة لم يعد العالم يمنحها.
شعر ماتيو

بعقدة تخنق حلقه بحرقة أرادت أن تنقلب إلى بكاء. سحقها بإرادة لا ينبغي لطفل في عمره أن يمتلكها.
في تلك اللحظة فهم القاعدة الأقسى
إذا انكسر هو سيسقط كل شيء.
قال وهو يجثو ليكون بمستوى عينيها
قريبا يا صوفي.
كان يكذب.
لكن إلى أن يعود سنلعب لعبة سنكون نحن أصحاب هذا المملكة.
رمشت صوفيا بتردد
مملكة
أشار ماتيو إلى المكان من حولهما بوقار مصطنع
أترين هذا البيت هذه قلعتنا. ولا أحد يدخلها دون إذن.
لكن الحقيقة كانت مختلفة ملكية متهالكة ورثها راؤول عن عم بعيد تمتد على خمسة هكتارات مغطاة بالأعشاب الشائكة وبقايا ما كان يوما مزرعة تبغ مزدهرة. السقف مثقوب وفي أيام المطر تتحول القطرات إلى أنهار. وفي القبو كانت الجرذان تتجول بثقة مستفزة. ومع ذلك كان هناك شيء يراه ماتيو حين يغمض عينيه إمكان.
في تلك الليلة نامت صوفيا على فراش قديم غطي بما تبقى لديهم من أغطية. أما ماتيو فلم يستطع النوم. خرج إلى الشرفة حاملا مصباحا شحيح البطارية وحدق في ظلام الأرض. كان الجدول القريب ما يزال يجري بمياه نظيفة وكان صوته أشبه بوعد.
بدأ عقله ذلك العقل الذي وصفه المعلمون يوما بأنه غير اعتيادي يعمل كآلة مخططات حسابات مواسم حصاد كيمياء التربة. تخيل انحدار الأرض مسار المياه الأنابيب القديمة المدفونة. استعاد صفحات
كاملة من كتب الزراعة والميكانيك التي طالما تصفحها في مكتبة مدرسته السابقة.
همس للريح الباردة
لن نموت جوعا. إن تركنا هنا لنضيع فقد أخطأ. سأحول هذا الخراب إلى شيء لا يستطيع أحد أن يسلبنا إياه.
عاد إلى طاولة المطبخ أخرج دفترا مدرسيا قديما وبدأ يكتب كما لو كان يسن قانونا
الخطوة الأولى تأمين الماء.
الخطوة الثانية تنظيف الأرض.
الخطوة الثالثة الحصول على البذور.
ومع بزوغ الفجر كان يحمل معولا صدئا وخارطة المستقبل مرسومة في روحه.
كان الشهر الأول حربا ضد الجسد. الجوع وحش لا يفاوض. بدأت صوفيا تضعف تتعب بسرعة تشعر بالدوار. حين رآها ماتيو شعر بخوف حقيقي ذلك الخوف الذي لا يصلحه وعد أو لعبة.
فسار معها ممسكا بيدها خمسة كيلومترات حتى السوق البلدي. لم يذهب لطلب الصدقة بل للمراقبة.
رأى التجار يرمون صناديق الطماطم الناضجة أكثر من اللازم والفلفل المجعد والبصل المتضرر. رأى قمامة ما زالت تحمل حياة.
اقترب من بائع فاكهة مسن جلده مسفوع بالشمس ونظارته تستقر على طرف أنفه.
قال بأدب نادر لطفل
سيدي هل أنت دون خوليان
ومن أنت
اسمي ماتيو. إن سمحت لي بأخذ ما سترميه سأقوم بتنظيف كشكك كل صباح قبل أن تفتح.
نظر الرجل إليه كما ينظر إلى شخص لا ينبغي له أن يتحدث بهذه الطريقة. ثم نظر إلى صوفيا شحوب عينان
كبيرتان الأرنب ذو الأذن الواحدة. خفض بصره لحظة كأن شيئا ضغط على صدره.
قال وهو يحك عنقه
خذه. لكن تلتزم بالتنظيف.
عاد ماتيو ذلك اليوم محملا. لم يكن كل ما حمله للطعام كثير منه كان للتفكيك.
ليلا وعلى ضوء شموع أنقذها من درج قديم علم صوفيا كيف تستخرج البذور كما لو كان طقسا مقدسا.
قال
انظري يا صوفي هذا يبدو قمامة لكنه حياة نائمة. كل بذرة طماطم يمكن أن تعطينا مئة غيرها.
استمعت إليه وعيناها متسعتان كأن أخاها يتحدث لغة سرية.
وهذا سيطعمنا
نعم لكن علينا أولا أن نوقظه.
فكك ماتيو سريرا حديديا قديما في القبو واستخدم قضبانه كرافعات لتكسير التربة المتصلبة. امتلأت يداه بالبثور ثم بالمسامير. كان يستيقظ عند الخامسة ليستغل رطوبة الندى. وبقوارير بلاستيكية وخراطيم مهملة جمعها من الجيران صنع نظام ري يعتمد على الجاذبية دفن الخراطيم قرب الجذور لتقليل التبخر.
كانت الزراعة بطيئة والبروتين ضرورة عاجلة. فبدأ ينظر إلى الكائنات من حوله كما ينظر إلى كتاب بحثا عن حل. صنع مصائد من صناديق خشبية وحبال غسيل وبعد ثلاثة أيام اصطاد سمانتين.
في تلك الليلة ملأ رائحة اللحم المشوي المطبخ لأول مرة منذ أسابيع. أكلت صوفيا ووجهها ملوث بالسخام وابتسامة حقيقية أخيرا.
سألت
هل تعتقد أن راؤول سيعود ليأخذ هذا منا
شعر
ماتيو بالاسم كحجر.
قال ببرود أفزعه هو نفسه
راؤول لم يعد
تم نسخ الرابط