حماتي أعطتني مليوني روبية وأرسلتني في رحلة… لكن عندما عدت سرًّا اكتشفت الحقيقة التي غيّرت حياتي للأبد
دون أن تجرح. أحيانا يكون أصدق أشكال الحب هو أن نتحمل بصمت وأن نؤجل الكلام حتى يصبح القلب أقوى وحتى لا يتحول الصدق نفسه إلى عبء ينهك من نحبه بدل أن يخفف عنه.
كانت كلماتها تسقط داخلي ببطء لا كدرس يلقى بل كحقيقة كنت أحتاج أن أسمعها في هذه اللحظة تحديدا لا قبلها ولا بعدها. شعرت وكأن شيئا ما في داخلي يستقر أخيرا في مكانه الصحيح.
هيتش عندها. كان ذلك العناق مختلفا تماما عن كل ما سبقه بلا استعجال بلا شرود بلا هاتف يرن أو أفكار تسرح بعيدا. كان عناقا كاملا صامتا صادقا لا يحتاج إلى تفسير. كأننا نلتقي من جديد بعد غياب طويل أو كأننا نعيد بناء شيء كان على وشك الانهيار حجرا فوق حجر بهدوء وحذر كما يرمم بيت قديم يخشى أصحابه أن يسقط إن لمسوه بقوة.
همس في أذني بصوت منخفض مكسور لكنه صادق لا يحاول التجمل ولا الاختباء خلف الكلمات
سامحيني لأنني جعلتك تشعرين بالوحدة. سامحيني لأنني لم أعرف كيف أشرح لك ما كنت أخشاه عليك لا منك. كنت أخاف أن أحملك ما لا تحتملين فحملتك شعور البعد بدلا من ذلك ظنا مني أنني أحميك بينما كنت أجرحك دون قصد.
في تلك اللحظة فهمت شيئا لم أكن أفهمه من قبل
أن الحب لا يكون دائما واضحا ولا يأتي دائما في صورة كلمات جميلة أو أفعال مباشرة. أحيانا يأتي الحب في شكل قرارات مؤلمة أو مسافات مؤقتة أو صمت يبدو قاسيا لكنه
بعد أسابيع سافرت فعلا إلى أوروبا لكن هذه المرة لم يكن السفر هروبا ولا محاولة للنسيان بل كان استراحة مستحقة طال انتظارها. استيقظت هناك على مهل بلا منبه ولا استعجال وتركت الوقت يمر كما يشاء كأنني للمرة الأولى أسمح للحياة أن تسير دون أن أركض خلفها. مشيت كثيرا في شوارع لا تعرفني ولا تنتظر مني شيئا جلست طويلا مع نفسي دون خطط أو أسئلة ملحة استمعت لأفكاري دون مقاومة تنفست بعمق وتعلمت أن أنصت إلى داخلي كما لم أفعل من قبل.
هناك أدركت أن القوة لا تعني الاحتمال الدائم ولا الصمت المستمر ولا أن نكون سندا للجميع بينما ننهار في الداخل. أدركت أن التعب ليس ضعفا بل رسالة وأن تجاهله هو أول خطوات الانكسار. أدركت أيضا أن الاعتراف بالحاجة إلى الراحة ليس هزيمة بل شجاعة من نوع آخر شجاعة أن نعترف بحدودنا قبل أن تجبرنا الحياة على ذلك.
وعندما عدت لم أعد الشخص ذاته الذي غادر. لم يكن التغير صاخبا أو مفاجئا بل هادئا عميقا كالماء الذي ينحت الصخر دون أن يحدث ضجيجا. لم أعد أقوى بالصخب ولا بالمواجهة الدائمة بل أقوى بالهدوء الذي يمنحني مساحة للفهم قبل الحكم وللتفكير قبل رد الفعل. لم أعد أهدأ بالاستسلام أو التغاضي بل بالوعي وعي يجعلني أفرق بين ما أستطيع
لم أعد أحمل كل شيء وحدي كما كنت أفعل سابقا وكأن التعب دليل ضعف أو الشكوى نوع من التقصير. لم أعد أخجل من قول أنا متعبة ولا من الاعتراف بأنني أحتاج إلى من يقف بجانبي. تعلمت أن الشراكة الحقيقية لا تعني أن أكون قوية طوال الوقت ولا أن أكون السند الوحيد بل أن أسمح لنفسي بأن أستند أيضا. أن نتقاسم العبء لا أن نحمله بالتناوب وأن نثق بأن الآخر قادر على أن يحمل معنا لا عنا دون أن ينتقص ذلك من قيمتنا أو استقلالنا.
كانت عائلتنا أقوى أيضا لكن ليس بالشكل الذي اعتدنا أن نطلق عليه اسم القوة. لم تعد القوة في التظاهر بأن كل شيء على ما يرام ولا في إخفاء الخوف خلف الابتسامات بل في الاعتراف الصريح بأننا نخاف ونتعب ونخطئ ونحتاج إلى بعضنا أكثر مما نظن. واجهنا مرض والده معا كتفا إلى كتف لا كأبطال خارقين بل كبشر عاديين يتعلمون كيف يتماسك بعضهم ببعض حين تضيق الأرض تحت أقدامهم.
لم تكن هناك أسرار ثقيلة تدفن في الصمت ولا كلمات مؤلمة تؤجل خوفا من المواجهة. تعلمنا أن نتحدث حين يكون الكلام ضرورة لا هروبا وأن نصمت حين يكون الصمت رحمة لا تجاهلا. تعلمنا أن نختار معاركنا وأن نصغي بصدق لا لنرد بل لنفهم. أن نكون معا لا فوق بعضنا ولا بعيدين عن بعضنا بل قريبين بما يكفي لنعرف ما يؤلم وبعيدين بما يكفي لنحترم المساحة
وحين أنظر إلى تلك الأيام الآن أبتسم بمرارة خفيفة وأدرك حقيقة لم أكن أراها من قبل ولم أكن مستعدة لتقبلها آنذاك
ليس كل باب يفتح خيانة.
بعض الأبواب لا تفتح إلا قليلا بالقدر الذي يسمح بدخول الهواء دون أن تقتلع العاصفة من في الداخل ودون أن يحبسهم الخوف خلف جدران مغلقة.
أدركت أن بعض القرارات التي بدت قاسية في وقتها كانت في حقيقتها محاولات حماية وأن بعض المسافات لم تكن هروبا بل فسحة لالتقاط الأنفاس. وأن الصمت في أحيان نادرة لا يكون جفاء بل لغة أخرى للحب لغة لا يتقنها إلا من خاف فعلا على من يحب.
وأحيانا يأتي أعظم أشكال الحب متخفيا في قرارات لم نفهمها أول الأمر وفي صمت حسبناه برودا وفي مسافات ظنناها ابتعادا بينما كانت في الحقيقة أقرب الطرق إلى الحماية وأصدقها وأقسى دروس الحب التي لا نتعلمها إلا بعد أن نمر بها لا قبلها.
وفي تلك الليلة حين أطفأت الأنوار وجلست وحدي أمام النافذة راقبت أضواء المدينة البعيدة وهي تلمع ثم تخفت شعرت بسكينة لم أعرفها من قبل. فهمت أخيرا أن الحب ليس دائما ما نريده ولا ما نتخيله في أحلامنا الأولى بل أحيانا ما نحتاجه لننضج حتى لو جاء متأخرا أو بصمت أو على هيئة اختبار لم نكن مستعدين له.
فبعض أنواع الحب لا تأتي لتسعدنا فقط
بل لتعلمنا كيف نعيش بقلوب أخف وحدود أوضح وصدق أعمق مع أنفسنا