ترك ابنه المقعَد تحت المطر ليختبر الناس… ولم يكن يتخيّل أن نادلة فقيرة ستقلب حياته رأسًا على عقب
المحتويات
فوضوي في الأكل أليس كذلك قالت له بحنان.
وعلى الجانب الآخر من الشارع كان رايموندو يراقب وملامحه لا تقرأ لكن عقله كان يعمل يحسب ويرتب. فهو لم يكن يؤمن باللطف الذي لا مقابل له. كان يؤمن بالديون. وسواء أراد أم لم يرد فإن سيلينا كارديناس جعلته مدينا لها.
مسحت سيلينا يديها بمئزرها ونظرت إلى النافذة حيث ظل المطر يرسم خطوطا متعرجة على الزجاج. كان دانيال ينهي آخر لقمة من شطيرته ولم تعد أصابعه ترتجف صارت دافئة. خف التوتر عن وجهه وتراجعت تلك النظرة الحذرة التي يتعلمها أطفال الأحياء الشعبية مبكرا. شعرت سيلينا برضا صغير لحظة سلام. وكان ذلك يكفيها.
ثم انفتح الباب فجأة.
دخل الهواء البارد أولا ثم دخلت امرأة ترتدي سروال جينز وسترة رياضية رمادية وقد أخفت شعرها الأشقر تحت قبعة رياضية. لم تكن غريبة عن المكان بملابسها فحسب بل بطريقة حركتها واثقة حادة تمسح المكان في ثانية واحدة كما لو كانت تقرأ خريطة خطر. كانت سيلينا قد عملت طويلا في خدمة الزبائن لتعرف من يأتي من أجل القهوة ومن يأتي لسبب آخر.
استقرت نظرة المرأة فورا على دانيال. لانت ملامحها لحظة لكن التغير كان سريعا أكثر مما ينبغي كأنه تمثيل مدروس. انحنت بجانب الطفل.
مرحبا يا بطل حان وقت الرحيل قالت بنبرة خفيفة غير أن شيئا في صوتها بدا مصطنعا كأنه جملة محفوظة.
قطب دانيال جبينه ومسح فمه بالمنديل الذي أعطته إياه سيلينا.
لكنني لم أنه الشوكولاتة بعد
أمالت المرأة رأسها بابتسامة متقنة.
يمكنك أخذها معك. وسيلتك بانتظارك.
اشتعل حدس سيلينا كجرس إنذار. رأت كثيرا من الناس يساقون وسمعت قصصا مخيفة في الأخبار. عقدت ذراعيها وحدقت في المرأة بريبة ثم تحركت خطوة لتقفولو قليلابينها وبين الطفل.
هل تعرفينه سألت
لم تهتز ابتسامة المرأة لكن كتفيها توترا توترا خفيفا لا يكاد يرى.
نعم قالت بهدوء أنا عمته.
لم تطرف سيلينا. التفتت إلى دانيال مباشرة.
هل هذا صحيح يا حبيبي
تردد دانيال. كان ترددا لا يتجاوز ثانية لكنه بالنسبة إلى سيلينا كان دهرا كاملا.
شدت المرأةنورافكها. كانت سيلينا تعرف الخوف وتعرف وجه الطفل الذي لا يريد الرحيل. وكانت تعرف أيضا أن تلك المرأة ليست عمة لأحد. انحنت بجانب دانيال تنظر في عينيه وتتجاهل الشقراء تماما.
هل أنت بخير يا داني سألت برفق هل تريد أن تذهب معها
نظر دانيال بين المرأتين وأصابعه تعصر المنديل حتى ابيضت مفاصله.
ثم تمتم أخيرا
إنها تعمل عند أبي أظن أن علي أن أذهب.
لم تتحرك سيلينا. كان شيء في داخلها يصرخ اطلب المزيد اصرخ اتصل بالشرطة لا تدعه يخرج. لكنها كانت تعرف واقعها أيضا امرأة بسيطة في مواجهة أشخاص يبدو عليهم المال والنفوذ. لو صنعت ضجة فغالبا من سيدفع الثمن هي.
ومع ذلك لن تدعه يغادر خالي اليدين.
اتجهت إلى طاولة العرض أخذت بسكويتة كبيرة برقائق الشوكولاتة كانت قد احتفظت بها لعشائها لفتها بمنديل ثم وضعتها في يد دانيال.
للطريق قالت.
أطبق دانيال أصابعه الصغيرة على البسكويتة وابتسم للمرة الأولى ابتسامة حقيقية.
شكرا يا سيلينا أنت الأفضل.
أجبرت سيلينا نفسها على ابتسامة لكن عقدة ثقيلة التفت حول معدتها. شاهدت نورا وهي تدفع الكرسي نحو الباب. كان التوتر بين المرأتين كثيفا كأنه يقطع بسكين.
وقبل أن تخرج نورا إلى المطر التفتت إلى الخلف. لم تقل شيئا. اكتفت بأن غرست نظرتها في عيني سيلينا. عرفت سيلينا تلك النظرة فورا كانت تحذيرا.
كانت تقول لا تتدخلي.
عبرت نورا الشارع وعند اقترابها أضاءت مصابيح
ما إن صار دانيال في الداخل بأمان مربوطا في المقعد الجلدي حتى استدار رايموندو نحو نورا تحت المطر وقال بصوت واحد
حسنا
زفرت نورا وهي تزيل غطاء رأسها.
إنها ذكية اعترفت لم تبتلع حكاية العمة. كادت تفتعل مشكلة.
لم تتغير ملامح رايموندو.
لكنها تركتك تمضين.
لم يكن أمامها خيار قالت نورا ببرود أنت تعرف كيف تسير الأمور. امرأة مثلها إذا صنعت مشهدا هي من ستخسر لا أنا.
شعر رايموندو بوخزة شيء غريب ربما احترام. قال كأنه يحدث نفسه
ليست مثل الآخرين
كان يعرف ذلك. رآه منذ اللحظة التي خرجت فيها إلى المطر دون تردد. الطريقة التي خاطبت بها دانيال كأنه مهم لا كأنه عبء أو موضوع شفقة. رأى كثيرين يزحفون من أجل ماله لكن هذه المرأة لم تكن تعرف حتى من يكون.
فتح باب الراكب الأمامي وجلس ثم قال بصوت منخفض حاد
أريد كل شيء عنها. الاسم العنوان الخلفية الديون أريده على مكتبي صباحا.
تحركت السيارة مبتعدة عن الرصيف تاركة المقهى خلفها يتضاءل في المرآة الخلفية. لكن رايموندو لم يكن يفكر في الأعمال ولا في الملايين التي سيكسبها غدا. كان يفكر في سيلينا كارديناس وفي الطريقة التي سيسدد بها دينه.
طلع الصباح التالي رماديا على منطقة سانتا في. ومن الطابق الخامس والأربعين في برج هويرتا بدت مدينة مكسيكو كأنها دائرة إلكترونية لا تنتهي من الخرسانة والدخان وحشا يتنفس العادم ويبتلع البشر. كان مكتب رايموندو هويرتا معبدا للتقشف القاسي زجاج في كل مكان فولاذ لامع وخشب أسود داكن. لا صور عائلية لا نباتات لا فوضى. سلطة خالصة.
وقف رايموندو أمام الواجهة
الملف جاهز يا سيدي قالت نورا وهي تدخل حاملة جهازا لوحيا وخطوات كعبيها ترن بإيقاع منتظم على أرضية الرخام.
لم يلتفت رايموندو فورا.
اقرئيه. لخصيه. لا أريد حشوا.
تنحنحت نورا ومررت إصبعها على الشاشة.
سيلينا كارديناس تسعة وعشرون عاما. تقيم في حي لا دوكتورس في مبنى سكني قديم بشارع دكتور أندراده. منطقة خطرة يا سيدي. ليست مكانا ينصح بإدخال سيارة فاخرة إليه.
أشار رايموندو بيده لتتابع.
الحالة الاجتماعية عزباء. لا أبناء لها لكنها تعيل والدتها روزا كارديناس أربعة وستون عاما. السيدة روزا تعاني فشلا كلويا مزمنا في المرحلة الثالثة. تحتاج إلى غسيل كلوي مرتين أسبوعيا وأدوية لا يوفرها الضمان الحكومي دائما.
استدار رايموندو ببطء وثبت عينيه الرماديتين في مساعدته.
الوضع المالي
حرج للغاية أجابت نورا بلا مواربة متأخرة ثلاثة أشهر في الإيجار. عليها قرض بفوائد استغلالية من جهة تدعى قروض فورية وديون كبيرة في متجر للأجهزة المنزلية مقابل ثلاجة وغسالة. بحسب حساباتي وبعد راتبها وإكرامياتها يتبقى لها نحو خمسين بيزو فقط أسبوعيا للطعام بعد سداد الأدوية والأقساط الصغيرة. باختصار إنها تغرق.
أومأ رايموندو بوجه جامد بينما كان عقله يعمل بسرعة. خمسون بيزو. كان هذا ما يتركه إكرامية لفنجان قهوة لا يكمله. الفارق كان فاضحا لكنه بالنسبة إليه أداة.
سوابق جنائية
نظيفة تماما. ولا حتى مخالفة مرورية. في الواقع الجيران يصفونها ب ترددت نورا لحظة بالقديسة. تعتني بأطفال الجيران ليلا تنظم جمعيات صغيرة لمساعدة من يفقدون أعمالهم. زعيمة مجتمعية على مستواها.
سار رايموندو نحو مكتبه كتلة سوداء من حجر
حضري السيارة نورا.
رفعت نورا حاجبيها
متابعة القراءة