ترك ابنه المقعَد تحت المطر ليختبر الناس… ولم يكن يتخيّل أن نادلة فقيرة ستقلب حياته رأسًا على عقب
كانت الأمطار تهطل بلا رحمة تلك الليلة على مدينة مكسيكو تضرب إسفلت شارع أفينيدا ريفولوسيون بعنف يحول الأرصفة المتكسرة إلى أنهار من ماء أسود ممزوج بالزيت. وكانت أضواء المصابيح تتراقص واهنة تكافح لتضيء المباني البالية والأكشاك التي أغلقت منذ مدة بأغطية زرقاء. كان الوقت قد تجاوز الحادية عشرة ليلا وكان ينبغي للمقهى الصغير ركن الأمل أن يغلق أبوابه منذ نصف ساعة غير أن سيلينا كارديناس لم تكن يوما ممن يصدون أحدا عن الباب لا حين تعرف معنى أن يبيت الإنسان بمعدة فارغة وروح متجمدة.
كانت سيلينا تمسح سطح الطاولة المصنوعة من الفورميكا المتآكلة وقد لمع جلدها الأسمر بعرق التعب بعد مناوبة قاسية امتدت اثنتي عشرة ساعة. كانت قدماها تؤلمانها وظهرها يئن ومحفظتها شبه خالية لا تكاد تحمل إلا ما يكفي لأجرة الحافلة وربما رغيفا صغيرا تتعشى به. كانت أمها تحتاج إلى دواء والإيجار يرتفع كل شهر ومع ذلك كانت سيلينا تحافظ على ابتسامة صادقة وإن أنهكها الإرهاق. وفي تلك اللحظة بينما كانت تعصر خرقة رمادية باهتة لمحته.
كان هناك جسد صغير منحن على كرسي متحرك قديم صدئ خارج النافذة مباشرة يتلقى المطر الغزير.
كان الطفل لا يتجاوز العاشرة من عمره. كان شعره الداكن ملتصقا بجبينه من البلل وكان يرتدي سترة مهترئة لا تقيه برد ليلة العاصمة القارس. جلس ساكنا لا يتحرك وقد تشبثت يداه ببطانية بالية وكان يرتجف ارتجافا واضحا. كان تحت اللافتة المتقشرة للمقهى مباشرة كأنه يتوهم أن ضوء النيون الخافت سيمنحه شيئا من الدفء.
عقدت سيلينا حاجبيها وأسقطت الخرقة من يدها وشعرت بتلك الوخزة المألوفة في صدرها مزيج الغضب والرحمة الذي كان يجرها دائما إلى المتاعب. لم تتردد.
نادته بصوت منخفض حتى لا تفزعه وأسرعت نحوه ثم انحنت بجانبه تحت سقف المظلة الصغيرة
أيها الصغير أيها الصغير! ماذا تفعل هنا وحدك
انتفض الطفل كما لو كان ينتظر توبيخا أو طردا ثم رفع رأسه. كانت عيناه كبيرتين داكنتين وفيهما حيرة لا ينبغي لطفل أن يعرفها.
تمتم بصوت بالكاد يسمع وسط ضجيج السيارات التي تشق الطريق المبتل وأصوات الأبواق البعيدة
إنني أنتظر أبي.
نظرت سيلينا يمينا ويسارا. لا شيء. كلب ضال يبحث عن مأوى ولافتة نيون لمحل رهن تومض من بعيد. كان الشارع خاليا وخطرا.
قالت بإلحاح وقد عقد القلق حنجرتها
وأين هو والدك يا عزيزي
هز الطفل كتفيه وشد البطانية المبللة بأصابعه المتجمدة.
زفرت سيلينا وعضت شفتها. كانت قد رأت ليالي كثيرة كهذه في هذه المدينة ورأت أطفالا كثيرين تركوا وحدهم بينما الآباء يعملون أو والأسوأ لا يعودون أبدا.
قالت بابتسامة دافئة تشعرك بأن كل شيء سيكون بخير
لا يمكنك البقاء هنا ستصاب بالمرض من هذا البرد وقد تشتد عليك العلة. تعال معي. ادخل إلى الداخل الجو دافئ وأعدك أن أعد لك شيئا طيبا.
تردد الطفل لحظة وكانت عيناه تمسحان وجه سيلينا تبحثان عن علامة خطر فلم يجدا إلا حنانا يشبه حنان الأم. فأومأ ببطء موافقا.
أمسكت سيلينا بمقابض الكرسي بثبات ودفعته إلى داخل المقهى. كان الانتقال صاعقا إذ لفحهما الدفء فورا مع رائحة القهوة المطبوخة بالقرفة وخبز خرج للتو من الفرن. قادته إلى طاولة في زاوية قرب المطبخ نزعت عنه البطانية المبللة ووضعت على كتفيه منشفة جافة نظيفة ثم أخذت تفرك ذراعيه لتعيد إليه الدفء.
انحنت نحوه وغمزت بعينها
اسمي سيلينا ما
قال وهو يشهق قليلا ويمسح أنفه بكم قميصه
دانيال.
ابتسمت سيلينا وهزت رأسها بإعجاب وأصلحت شعره
دانيال اسم الشجعان. هل أنت جائع يا داني
أومأ الطفل خجلا. ولم تحتج سيلينا إلى أكثر. مضت مباشرة إلى المطبخ وأشعلت صفيحة الشواء التي كانت قد نظفتها بجهد وأخرجت شريحتين سميكتين من خبز التوست وقطعة جيدة من جبن المانشيغو وقليلا من اللحم البارد.
وبعد دقائق وضعت أمامه أفضل شطيرة رآها في حياته محمرة ذهبية مقرمشة يلمع عليها الزبد والجبن يفيض من الجوانب وبجوارها كوب من شوكولاتة ساخنة فوارة كثيفة كأنها من صنع الجدات.
قالت وهي ترتب منديلا على ركبتيه
هذه على حسابي يا ملكي كل فمع الخبز تهون الهموم.
تلألأت عينا دانيال حين أخذ أول قضمة. امتد الجبن خيوطا طويلة شهية.
همس بصوت امتلأ بدهشة قريبة من السحر
إنها لذيذة جدا إنها ألذ شيء ذقته في حياتي.
ضحكت سيلينا ضحكة خفيفة وهي تراه يلتهم الشطيرة.
قالت بمزاح رقيق
الطعام اللذيذ يشفي كل شيء يا بني.
لكنها من الداخل كادت تبكي فأن ترى طفلا صغيرا يحمل كل ذلك الوحدة ويظهر هذا الامتنان لشطيرة بسيطة كان يفتت قلبها.
وما لم تكن سيلينا تعلمه وما لم يكن يخطر ببالها وهي تصب له مزيدا من الشوكولاتة أن على الجانب الآخر من الشارع وفي ظلال زقاق متوار عن الأنظار كانت تقف سيارة سوداء مصفحة من طراز فاخر لامعة لا تشوبها شائبة تساوي أكثر من قيمة الحي كله. وكان داخلها رجل نافذ يراقب حركاتها كلها عبر الزجاج المعتم.
كان الرجل داخل السيارة يجلس في مقعده كأنه في حصن من الجلد والحديد. لم يكن في ملامحه ما يدل على تردد أو شفقة عينان رماديتان باردتان وحضور صامت يوحي بأن كل شيء محسوب. كان يراقب
كان اسمه رايموندو هويرتا. وفي عالم الأعمال كانوا يلقبونه بقرش بولانكو. بلغ السادسة والأربعين وبنى إمبراطورية تكنولوجية في المكسيك على قاعدة واحدة السيطرة المطلقة. كانت هويرتا ديناميكس قلب الابتكار النابض في سانتا في آلة لصنع المال تعمل بالكفاءة لا بالمشاعر. أمضى سنوات طويلة يضمن ألا يسمح لشيءلا لإنسان ولا لعاطفة ولا لضعفأن يتسلل إلى إرثه.
ومع ذلك ها هو ذا ينظر ويشعر بشيء ظنه مات منذ زمن.
كان دانيال ابنه. ابنه الوحيد.
وتلك المرأة تلك النادلة السمراء بالمئزر المتسخ في مقهى يكاد يتداعى كانت تطعم ابنه مجانا.
شد رايموندو فكيه حتى تصلبت عضلات وجهه. لقد تأخر في مكالمة بالغة الأهمية مع مستثمرين يابانيين وفي لحظة من ضغط واختبار قاس قال لابنه أن ينتظر خارجا دقائق معدودة بينما حراسه يراقبون من بعيد ليرى إن كان العالم قاسيا كما لقنه دائما. لم يتوقع هذا. لم يتوقع لطفا.
أخرج هاتفه واتصل برقم محفوظ سريع.
نورا قال حين أجابت مساعدته من أول رنة تعالي إلى مقهى في شارع أفينيدا ريفولوسيون. بلا بدلات رسمية بلا كعوب عالية. أريدك هنا خلال عشرين دقيقة. ارتدي ثيابا عادية كأنك واحدة من الناس في الشارع.
ساد صمت قصير من الطرف الآخر.
سيدي
قبض رايموندو على الهاتف حتى ابيضت مفاصله.
اجمعي كل ما تستطيعين عن المرأة التي أطعمت ابني الآن. أريد أن أعرف من تكون وما ديونها وما الذي يؤلمها كل شيء.
وأغلق الخط دون أن ينتظر ردا.
في داخل المقهى كان دانيال يضحك للمرة الأولى طوال تلك الليلة يحرك ساقيه اللتين تتدليان من الكرسي. كانت هناك بقعة شوكولاتة على
أنت