كادت تُسلب أمّها وبيتها لولا تسجيل واحد غيّر كلّ شيء

لمحة نيوز

شيئا فشيئا عاد البريق. وتعلمت أن الشيخوخة ليست نهاية بل مكتبة مليئة بصفحات يمكن قراءتها إن وجد من يأخذ الوقت.
بعد سنوات وفي عصر هادئ يشبه الهدوء الذي يأتي بعد أن يهدأ كل شيء في الداخل كنا دونيا كارمن وأنا في الحديقة نعتني بالورود. كانت قد بلغت الثمانين لكنها لم تكن امرأة منطفئة ولا مستسلمة للعمر كانت ثابتة حاضرة يخرج من عينيها ضوء من عرف الألم ثم تعلم كيف يجاوره دون أن ينكسر. كانت تتحرك ببطء نعم لكن في بطئها حكمة وفي كل حركة معنى.
توقفت فجأة وأسندت يدها إلى طاولة الحديقة ثم نظرت إلي نظرة أم لا تسأل بدافع الشك بل بدافع الامتنان الممزوج بالقلق. قالت بصوت خافت
هل ندمت يوما على بقائك معي
ثم أضافت كأنها تبرر السؤال
كان بإمكانك أن ترحلي أن تتزوجي أن تصنعي حياتك في مكان آخر.
نظرت إليها طويلا لا لأن السؤال كان صعبا بل لأن الجواب كان واضحا إلى درجة لا تحتاج إلى استعجال. ابتسمت وقلت بهدوء يشبه اليقين
لقد صنعت حياتي هنا.
معك ومع أليخاندرو ومع كل مسن يأتي إلى هذا المكان ظانا أنه عبء ثم يغادره وهو يعرف أنه كنز.
لم تقل شيئا. لم تكن الكلمات ضرورية. اكتفت بأن تمسك يدي برفق وكأنها تقول كل ما عجز عنه الكلام.
بقينا صامتتين. كنا نسمع خرير الماء في النافورة الصغيرة وحفيف الريح وهي تمر بين الأوراق. كان ذلك الصمت مختلفا عن صمت عرفناه سابقا لم يكن صمت خوف ولا صمت قلق بل صمت سلام. صمت من فهم أخيرا أن العائلة لا تختصر في الدم ولا تحددها الأسماء ولا الروابط الورقية. أحيانا تولد العائلة من شجاعة البقاء حين يكون الرحيل أسهل ومن القدرة على قول لا في وجه عالم يطلب منك الصمت ومن الوقوف إلى جانب من يعاملهم الآخرون كحمل زائد يجب التخلص منه.
في تلك الليلة وأنا أرى الورود مفتوحة تحت ضوء القمر ساكنة كأنها تصلي تذكرت أمي في أواكساكا. تذكرت تفاصيل لم أستدعها منذ سنوات يدها الخشنة من كثرة الغسيل وهي تضع العقد الزائف في كفي حرصها أن يبدو مرتبا رغم فقرنا وصوتها
الخافت وهي تهمس لي وكأنها تودعني وتسلحني في آن واحد ارفعي رأسك ونقي قلبك. لم تكن تلك مجرد كلمات وداع بل وصية حياة خلاصة ما تعلمته امرأة قضت عمرها تعمل بصمت وتؤمن أن الكرامة لا تحتاج إلى مال كي تعيش.
أدركت حينها أن الحياة مهما أخذتني بعيدا عن قريتي ومهما وضعتني في بيوت فاخرة وحدائق عامرة لم تأخذني يوما بعيدا عن جذوري. تلك الجذور التي نبتت في أرض الذرة وسط الفقر والعمل والصبر هي التي منحتني البوصلة حين تاه الاتجاه وهي التي جعلتني أميز بين الرحمة والشفقة وبين الحب الحقيقي والاهتمام المزيف. تلك الكرامة البسيطة التي تعلمتها هناك هي التي أنقذت دونيا كارمن حين حاولوا كسرها باسم الراحة والاهتمام وهي نفسها التي أنقذتني حين كان الصمت أسهل وحين كان الانسحاب أقل كلفة لكنه أشد خيانة للنفس.
فهمت أن الإنسان لا يختبر في اللحظات الكبيرة فقط بل في تلك اللحظات الصغيرة التي يخير فيها بين أن يغض الطرف أو أن يقف بين أن يقول لا يعنيني
أو أن يقول هذا لا يجوز. وأن القيم التي نحملها من طفولتنا من بيوتنا الأولى هي التي تفضحنا حين ندعي الحياد وهي التي تنقذنا حين نقرر أن نكون أوفياء لها.
وإن بقي من هذه الحكاية شيء فليكن هذا المعنى حاضرا واضحا لا لبس فيه ولا تبرير
كبار السن لا يركنون على هامش الحياة كما تركن الأشياء القديمة ولا يخفون خلف أسماء لامعة أو مؤسسات أنيقة تزين العزلة وتسميها رعاية. إنهم لا ينقلون من حياتهم بحجة الخوف عليهم ولا يسلبون بيوتهم وذكرياتهم باسم المصلحة.
إنهم يكرمون.
ويصان حضورهم.
وتحترم حياتهم كما هي بتاريخها وذكرياتها وبطئها واحتياجها إلى القرب لا إلى الإقصاء.
لأننا جميعا بلا استثناء سنقف يوما في موضعهم. سنضعف وسنحتاج وسنخاف أن نصبح عبئا. وفي ذلك اليوم لن نحتاج إلى قصور ولا إلى شعارات بل إلى إنسان واحد ينظر إلينا بعين الإنسان لا بعين المصلحة ويقول بحزم لا يقبل المساومة ولا التأويل
لا تمسها.
ليست لك.
حياتها ليست صفقة.
ولا تباع
ولا
تؤجر
ولا تساوم.

تم نسخ الرابط