تنمّرتُ على زميلي الفقير يوميًا… رسالة أمّه حطّمتني من الداخل
ألاحظ أشياء لم أكن أراها من قبل.
أشياء كانت موجودة طوال الوقت تمشي أمام عيني تجلس بجواري في الصف وتتنفس في الساحة نفسها لكنني كنت أعمى عنها.
لم يكن العمى في بصري بل في قلبي.
لاحظت أن توماس يكتب واجباته المدرسية بعناية مبالغ فيها
حروفه متناسقة أكثر من اللازم
سطوره مستقيمة كأنها مرسومة بمسطرة خوف
وأخطاؤه نادرة ليس لأنه عبقري
بل لأن الخطأ بالنسبة له لم يكن مجرد نقص في الإجابة
بل تهديدا صامتا.
كان خائفا
خائفا من أن يخيب أمل أحد
خائفا من أن يكون عبئا جديدا على كاهل أم أنهكها التعب
أم لا تملك رفاهية أن تقول لا بأس حاول مرة أخرى.
لاحظت أيضا أنه يعتذر كثيرا
يعتذر حين يصطدم بك صدفة
حين يرفع صوته دون قصد
بل أحيانا حين يجلس في مكان ما وكأن جلوسه خطأ.
وكأن الفقر علمه أن يعتذر عن وجوده
أن يقول للعالم دون كلمات
سامحوني لأنني هنا.
وذات يوم لم أستطع أن أقاوم السؤال.
كان السؤال عاديا في شكله
لكنه خرج مني هذه المرة دون سخرية
دون رغبة في الاستعراض.
قلت له بهدوء لم أعتده من نفسي
لماذا تدرس كل هذا
نظر إلي باستغراب حقيقي
استغراب من لم يفهم السؤال أصلا
كأن الدراسة ليست خيارا عنده
بل ضرورة بديهية مثل التنفس.
ثم قال ببساطة موجعة
لأن أمي تتعب كثيرا ولا أريد أن أكون سببا آخر لتعبها.
في تلك اللحظة
شعرت بصغر نفسي كما لم أشعر من قبل.
شعرت أن كل ما أملكه
كل ما كنت أتباهى به
كل ما كان يفترض أن يمنحني شعورا بالقيمة
لم يمنحني يوما سببا واحدا يشبه هذا السبب.
مرت أيام
ثم أسابيع.
بدأت أترك له جزءا من طعامي كل يوم.
لم أفعل ذلك أمام الناس
لم أبحث عن نظرات إعجاب
ولم أطلب غفرانا.
كنت أضع الطعام بهدوء
كأن الأمر طبيعي
كأنه كان يجب
وفعلا
صار طبيعيا.
كأنني كنت أمارس شيئا نسيته طويلا
ثم تذكرته فجأة
دون شرح
دون إعلان.
وفي أحد أيام الجمعة
جمعت شجاعتي وسألته إن كان بإمكاني زيارة أمه.
تردد قليلا
نظر إلى الأرض
ثم إلي
كأنه يقيس صدقي.
وفي النهاية وافق.
ذهبنا بعد المدرسة إلى حي لم تطأه قدماي من قبل.
شوارع ضيقة
بيوت متقاربة
وجدران تحمل آثار السنين أكثر مما تحمل الطلاء.
كانت هناك روائح طعام بسيطة
تمتزج برائحة التعب
برائحة العمل الطويل
برائحة الحياة حين تعاش بلا ترف ولا أقنعة.
استقبلتنا امرأة نحيلة
يداها خشنتان من العمل
لكن عينيها
كانتا دافئتين على نحو أربكني.
ابتسمت لي ابتسامة صادقة
تلك الابتسامة التي لا تصنع
ولا تدرب
ولا تزين.
قالت ببساطة
تفضل البيت بيتك.
وحين قدمت لي فنجان قهوة
أدركت دون أن تقول شيئا
أنه على الأرجح
آخر ما تملكه من شيء ساخن في ذلك اليوم.
جلست هناك
أحتسي القهوة ببطء لم أعتده
كأنني أحاول أن أؤخر لحظة انتهائها
ليس لأن مذاقها مميز
بل لأن كل رشفة كانت تحمل شيئا أثقل من القهوة نفسها.
كنت أستمع إلى حديثها عن العمل
عن الساعات الطويلة التي تبدأ قبل شروق الشمس
ولا تنتهي إلا حين تتعب اليدان من التعب ذاته
عن الأجور التي لا تكفي
عن الأيام التي تمر متشابهة حتى تفقد أسماءها.
ثم توقفت قليلا
كأنها اختارت كلماتها بعناية
وقالت عن خوفها الوحيد
أن يكبر ابنها وهو يشعر بالنقص.
لم تقل
أن يجوع.
لم تقل
أن يمرض.
لم تقل
أن يفشل.
قالت فقط
أن يشعر بالنقص.
في تلك اللحظة
فهمت أن بعض الأمهات لا يخشين الجوع بقدر ما يخشين انكسار الكرامة
ولا يخافن الفقر بقدر ما يخافن أن يرى أبناؤهن أنفسهم أقل من غيرهم.
لم تتذمر.
لم تشتك.
لم ترفع صوتها
ولم تتوسل شفقة.
كانت تحكي وكأن التضحية أمر عادي
كأن الحرمان تفصيل يومي
وكأن الجوع مجرد شيء يمكن التعايش معه
حين يكون المقابل هو كرامة طفل.
وحين نظرت إلي فجأة
وتوقف صوتها عند جملة واحدة فقط
قالت بهدوء أربكني
توماس طيب أرجوك لا تدعه يتأذى.
لم تقل
ساعده.
لم تقل
احمه.
لم تقل
انتبه له.
قالت فقط
لا تدعه يتأذى.
شعرت في تلك اللحظة
أن الكلمات لم تكن عامة
لم تكن نصيحة عابرة
لم تكن جملة تقال لأي شخص.
كانت موجهة إلي وحدي
مباشرة إلى صدري
كأنها تعرف تماما من كنت
وماذا فعلت
وماذا يمكن أن أفعل لو أردت.
في تلك الليلة
عدت إلى قصرنا الكبير.
قصر كنت أفتخر به
وأتباهى باتساعه
وبغرفه الكثيرة
وبأبوابه العالية التي تفتح بصمت.
لكنه للمرة الأولى
بدا لي أصغر من أي وقت مضى.
كأن الجدران العالية انكمشت
وكأن المساحات الواسعة فقدت قدرتها على إبهاري
وكأن كل شيء فيه أصبح بلا وزن.
كان الصمت يملأ المكان
لا صمت الراحة
بل صمت الفراغ.
ذلك الصمت الذي لا يجاوبه صوت قلب
ولا يقطعه دفء إنسان
ولا يملؤه سؤال بسيط مثل
كيف كان يومك
مررت في الممرات الطويلة
التي طالما ركضت فيها طفلا
أضحك
أصرخ
أركل الكرة على الجدران.
فلم أسمع سوى وقع خطواتي.
خطوة
ثم خطوة
لا ضحكات
لا أصوات
لا أحد ينتظرني عند الباب.
دخلت غرفتي وأغلقت الباب خلفي ببطء
لا لأنني أردت الخصوصية
بل لأنني شعرت أن هناك شيئا في داخلي
يحتاج إلى صمت كامل كي يستيقظ.
جلست على طرف السرير
وأخذت أتأمل ملابسي المعلقة بعناية
أسماء لامعة
علامات تجارية يعرفها الجميع
ألوان باهظة الثمن
وأقمشة لم تعرف يوما
ماذا يعني أن تغسل بيد متعبة.
نظرت إلى حذائي الجديد
إلى ساعتي التي تلمع في العتمة
إلى
كأنه امتداد لها.
كل ما كنت أظنه يوما ثروة
بدا لي فجأة بلا روح
بلا معنى.
أشياء جميلة نعم
لكنها صامتة.
باردة.
لا تمسك يدك حين تسقط
ولا تسأل عنك حين تتألم
ولا تشعر بك حين تنكسر.
لم أر في تلك الأشياء
شيئا يشبه ما رأيته في ذلك البيت الصغير.
بيت ضاق بجدرانه
لكنه اتسع بقلب
يتسع للجوع والحب معا.
بيت لم يملك الكثير
لكنه امتلك ما لم أعرفه أنا طوال حياتي
التضحية.
تضحية لا تعلق على الجدران
ولا تصور
ولا تكتب عنها منشورات.
تضحية صامتة
تمارس كل صباح
حين تتنازل أم عن فطورها
كي لا يشعر طفلها أنه أقل من غيره.
عندها فقط فهمت.
فهمت ما لم يعلمني إياه أحد.
لا المدرسة
ولا البيت
ولا الخطب الطويلة عن
القيم
التي تقال بسهولة
ولا تعاش.
فهمت أن الغنى
ليس ما تملكه
بل ما تستطيع أن تتخلى عنه
دون أن تخسر نفسك.
فهمت أن القيمة
لا تقاس بما تحمله في جيبك
بل بما تحمله في قلبك
حين لا يراك أحد.
ومنذ ذلك اليوم
لم يتغير شكلي كثيرا
لم تختف ملابسي الباهظة
ولم تتبدل ملامحي في أعين الناس.
لكن مساري تغير بالكامل.
لم أصبح ملاكا
ولا بطلا
ولا شخصا مثاليا بلا أخطاء.
لكنني أصبحت إنسانا يحاول.
يحاول أن يكون أصدق
أن يتوقف قبل أن يؤذي
أن يراجع نفسه
حين يشعر بأن القوة تغريه بالظلم.
يحاول أن يكون أقل أذى
وأكثر إنصافا
وأكثر إنسانية.
ووعدت نفسي وعدا حقيقيا
وعدا لم أكتبه
ولم أعلنه
لكنني كنت أعرف
أنه لا يحتمل الخيانة
ما دام في جيبي مال
وما دام في قلبي وعي
وما دام في صدري شيء يشبه الضمير
فلن تجوع أم توماس مرة أخرى
ولن يشعر هو يوما
أن كرامته قابلة للسخرية.
ولم يكن ذلك صدقة
ولا محاولة لتخفيف شعور بالذنب.
كان دينا.
دينا لقطعة خبز
لم تشبع معدة طفل فحسب
بل أيقظت إنسانا
كان نائما في داخلي.
إنسانا لم أعرف أنه غائب
ولا كم كنت أحتاج إلى عودته.
وهكذا اكتشفت الحقيقة
التي كنت أهرب منها طويلا
أنني لم أكن أسرق طعام زميلي كل يوم
بل كنت أسرق من نفسي
آخر فرصة
لأكون إنسانا
جديرا باسمه.