تجاهل كل وريثات مدريد… وطلب من فتاة “الخدمة” ترقص معه! اللي صار بعدها صدم القاعة
أخير توقفا في الوسط يلهثان ونظراتهما متشابكة. كان الصمت الذي تلا مختلفا عن الصمت السابق. لم يكن صدمة بل احتراما رغما عن الجميع. لقد شهدوا شيئا نقيا إلى حد أن السخرية لم تجد منفذا.
تجاهل دييغو البروتوكول الذي يفرض انحناءة بعيدة فأخذ يد صوفيا إلى شفتيه وقبل مفاصلها بتوقير يكاد يكون دينيا.
شكرا قالها وكانت الكلمة تزن أطنانا من الامتنان.
احمرت وجنتا صوفيا وانحنت انحناءة صغيرة ثموكأنها تفك السحرأفلتت يدها برفق وركضت نحو المطابخ واختفت كما تختفي سندريلا حين تدق الساعة. لكنها لم تترك حذاء زجاجيا تركت أثرا من نار في قلب دييغو.
جاء الفجر ومعه الواقع وكان قاسيا.
انقضت الصحافة على القصة. صرخت العناوين من الأكشاك وشاشات الهواتف الأمير والعامة فضيحة العام في بيت ميندوزا دييغو ميندوزا يفقد صوابه من أجل موظفة خدمة. وكانت الشبكات الاجتماعية ساحة حرب بين من مجد اللحظة ومن سخر منها بقسوة.
لكن الضربة الحقيقية جاءت من الداخل. اتصل فرناندو ميندوزا عم دييغو وشريك أقلية لكنه شديد النفوذ في الصباح الباكر. كان صوته سوطا.
حولت اسمنا إلى نكتة حانة يا دييغو. المستثمرون قلقون. الأرستقراطية تشعر بالإهانة. عليك أن تصلح هذا. أصدر بيانا وقل إنه فعل إحسان أو عرض تمثيلي أيا يكن لكن ابتعد عن تلك الفتاة.
أغلق دييغو الهاتف دون أن يرد. لكن ماكينة الرفض الطبقي كانت قد بدأت. عند الظهيرة وصلت كارمن إلى البيت باكية. طردت من عملها. وكالة الخدمات الفاخرة التي كانت تعمل لديها لم تكن تريد مشاكل مع العائلات الكبيرة. لا يمكن أن يكون لدينا موظفون يبحثون عن الأضواء قالوا لها.
والأسوأ أن صوفيا تلقت بريدا إلكترونيا من الجامعة طلبها للتدريب في متحف برادو الذي كان شبه معتمد رفض على نحو غامض بسبب اعتبارات السعة وإعادة الهيكلة. بدأت
عرف دييغو كل ذلك عبر شبكته الخاصة. والغضب الذي اجتاحه لم يكن باردا كحزنه المعتاد كان بركانيا. أدرك أن صمته ولامبالاته القديمة سمحتا للعالم أن يكون قاسيا. وفهم أن المال ليس وسيلة للاختباء بل يجب أن يكون وسيلة للحماية.
في ذلك العصر فعل دييغو ميندوزا ما لا يتوقع. خرج من برجه الزجاجي في الأبراج الأربعة صعد إلى سيارته الرياضية لكنه لم يذهب إلى أي ناد حصري. قاد حتى فاييكاس حي من بنايات الطوب المكشوف وملابس منشورة على الشرفات.
صعد ثلاثة طوابق حتى شقة آل لوبيز. وحين فتحت كارمن الباب بعينين منتفختين حاولت إغلاقه من الخجل لكن دييغو وضع قدمه برفق.
لم آت لأزيد المشاكل يا كارمن. جئت لأحلها ولأعتذر.
دخل الصالون الصغير. كانت رائحته قهوة طازجة وتربنتين. وكانت الجدران مغطاة بلوحات رسمتها صوفيا مناظر نابضة وبورتريهات مليئة بالروح. وقف دييغو مبهورا. لم يكن هذا ترفا أو نزوة كانت تملك موهبة هائلة.
خرجت صوفيا من غرفتها ترتدي بنطال جينز باليا وقميصا ملطخا بالطلاء. دون الزي ودون أي زينة بدت أجمل.
لماذا جئت سألت بحدة دفاعية. لقد دمروا حياتنا بسبب رقصة.
لأنني لا أستطيع التوقف عن التفكير في تلك الرقصة اعترف دييغو وهو واقف في وسط الغرفة المتواضعة. ولأنني كنت ميتا منذ عشرين عاما يا صوفيا حتى البارحة.
جلسا يتحدثان. لم يتحدثا عن المال ولا عن الفضائح. تحدثا عن الفن. اكتشف دييغو أن صوفيا تعرف تقنية فيلاثكيث أكثر من بعض القيمين الذين يمولهم. واكتشفت هي أن دييغو ليس كيسا من المال بل رجل مثقف يقرأ الشعر ويحلم بحفظ جمال العالم. تحدثا ساعات والشمس تهبط وتصبغ الجدران بلون برتقالي.
لا أريد مالك يا دييغو قالت بحزم حين عرض المساعدة. أريد كرامتي. أريد أن أحصل على الأشياء
أعرف ابتسم. وهذا بالضبط ما يجعلك مختلفة عن الجميع. لكن اسمحي لي أن أقاتل إلى جانبك. لن أعطيك شيئا جاهزا سأجبر العالم على أن يعترف بقيمتك.
كانت استراتيجية دييغو هجوما مباشرا. في اليوم التالي منح مقابلة حصرية لصحيفة إل باييس الأكثر قراءة. بلا مستشارين للصورة وبلا نصوص جاهزة. تحدث وقلبه في كفه. روى قصة وعد إسبيرانثا. تحدث عن وحدة السلطة. ودافع عن صوفيا لا بوصفها غنيمة بل امرأة موهوبة استثنائية كانت ضحية لأقسى أنواع التمييز الطبقي.
وقال أمام الكاميرا وهو ينظر مباشرة إلى العدسة الحب الحقيقي لا يفهم رموز البريد. والأرستقراطية الحقيقية في الموهبة والطيبة لا في الدم. صوفيا لوبيز تملك من الرقي في خنصرها أكثر مما يملكه كل من ينتقدها مجتمعين.
انتشرت المقابلة انتشار النار. وانقلب الرأي العام مئة وثمانين درجة. كان الناس متعطشين للصدق سئموا البلاستيك والأكاذيب. أصبح دييغو وصوفيا رمزا رومانسيا حديثا.
لكن دييغو أراد أبعد من ذلك. بعد ستة أشهر أعلن عن حفل راقص جديد في قصر الكريستال. هذه المرة تغيرت القواعد.
وصلت الدعوة إلى قصور لا موراليخا نعم لكنها وصلت أيضا إلى ورش الفنانين وإلى المستشفيات وإلى مدارس الأحياء. دعا دييغو أرستقراطية الاستحقاق أطباء ينقذون الأرواح معلمين يلهمون فنانين يكافحون. ودعا كذلك الحرس القديم ليشهد التحول.
في ليلة الحفل الثاني كان القصر يلمع بنور مختلف. لم يكن نور الذهب البارد بل نور التنوع الدافئ. كان الترقب عاليا هل ستأتي
عند العاشرة تماما فتحت الأبواب.
ظهرت صوفيا. لم يعد هناك زي ولا مئزر. كانت ترتدي فستانا من المخمل بلون أزرق
ليلي صممه موهوب شاب محلي اكتشفه دييغو. كان الفستان بسيطا بلا بهرجة يترك لوجهها أن يكون الجوهرة. وكان شعرها مرفوعا بتاج
عم الصمت لكن هذه المرة كان صمت إعجاب. مشت صوفيا ورأسها مرفوع. وكانت كارمن بلباس أنيق كضيفة شرف تبكي فخرا على جانب القاعة.
خرج دييغو للقائها. كانت عيناه تلمعان بدموع محبوسة. وحين التقيا في الوسط لم يطلب منها الرقص. فعل شيئا قطع أنفاس العالم
ركع.
أمام الكاميرات وأمام عمه الذي فتح فمه دهشة وأمام المجتمع الذي حكم عليهما أخرج دييغو ميندوزا علبة مخملية صغيرة.
صوفيا قال بصوت حملته أصداء القاعة إلى كل ركن علمتني أن الثراء ليس ما تملك بل من تملك. أعدت إلي القدرة على الإحساس. لا أعرض عليك لقبا ولا قصرا. أعرض عليك قلبي وهو لك منذ أول نغمة في ذلك الفالس. هل تريدين أن تكتبي بقية الحكاية معي
ارتجفت صوفيا من التأثر وأومأت. كان نعم بالكاد يسمع لكن ابتسامتها أضاءت أكثر من كل الثريات. وحين وضع الخاتمقطعة بسيطة لكنها محملة بتاريخ العائلةثم نهض ليقبلها انفجرت القاعة.
لم يكن تصفيق مجاملة. كان هتافا حقيقيا. تصفيقا صاخبا فرحا. حتى الأكثر سخرية انجرف أمام قوة حب صمد أمام التمييز. بدأت الفرقة تعزف لا فالسا كلاسيكيا بل لحنا حديثا نابضا وبدأت العروس والعريس يدوران.
تزوجا بعد ثلاثة أشهر في مراسم مزجت بين التقاليد والبساطة. وأسسا معا مؤسسة إسبيرانثا لدعم المواهب الفنية الشابة من البيئات المتواضعة ومنح فرص لمنمثل صوفيالم ينقصهم إلا أن يؤمن بهم أحد. وأصبحت صوفيا مرممة محترمة تعيد اللون لأعمال منسية كما أعادت اللون إلى حياة دييغو.
يقولون إن الحب الحقيقي ثوري. وقد أثبت دييغو وصوفيا أن تغيير العالم لا يحتاج إلى إسقاط القصور أحيانا يكفي أن تملك الشجاعة لتدعو إلى الرقص الشخص الذي لا يراه أحد وتكتشف أن تحت زي العمل اليومي تختبئ