اختارت طفلين لا يربطها بهما دم… فاختاراها أمًّا إلى الأبد
المحتويات
على نفسك.
فتبتسم وتقول
سأتعب اليوم لترتاحوا غدا.
في المدرسة الثانوية واجه الشقيقان أول صدمة حقيقية مع المجتمع.
بعض الطلاب سخروا
أنتما بلا أب حقيقي.
عاد رافي يومها غاضبا يضرب الحائط بقبضته.
لكن كافيتا لم ترفع صوتها. جلسته نظرت في عينيه وقالت
الرجولة ليست اسما في شهادة ميلاد الرجولة موقف.
أما كيران فكان أكثر تأثرا. كان يصمت يبتلع الكلمات ويكتب كثيرا في دفاتره. ذات ليلة وجدته كافيتا يبكي بصمت.
سألته
ما بك يا بني
قال بصوت متكسر
أخاف أن أتعبك أكثر أخاف أن أكون حملا عليك.
احتضنته بقوة وقالت
أنت لست حملا أنت سبب صبري.
في تلك اللحظة ناداها كيران لأول مرة بوضوح
أمي.
لم تقل شيئا.
لكن تلك الكلمة أعادت ترتيب قلبها بالكامل.
مع اقتراب نهاية الثانوية بدأت لحظة القرار المصيري.
الجامعة.
جلسوا معا ذات مساء.
كان رافي يحلم بكلية الهندسة.
وكان كيران يريد الطب رغم معرفته بصعوبة الطريق.
سكتت كافيتا طويلا.
لم تكن المشكلة في الأحلام بل في ثمنها.
قالت أخيرا
إن اجتهدتما سأفعل المستحيل.
في تلك الليلة أخرجت صندوقا خشبيا قديما من أسفل السرير.
فتحته بهدوء.
داخله كانت بعض الحلي البسيطة التي احتفظت بها منذ شبابها.
ذكريات لم تلمسها منذ سنوات.
في اليوم التالي باعتها كلها.
لم تخبرهما.
دخل رافي كلية الهندسة.
ودخل كيران كلية الطب.
بدأت أصعب سنوات حياتها.
كانت
أحيانا كانت تمرض لكنها لا تشتكي.
كانت تؤجل نفسها دائما.
أما رافي فبدأ يعمل في العطل يحمل الإسمنت يساعد في مواقع البناء يعود متعبا لكنه فخور.
وكيران بدأ يدرس طلابا أصغر منه ويوفر بعض المال.
لم يعودا طفلين فقط صارا شريكين.
في إحدى الليالي ظنت كافيتا أنهما نائمان.
جلست وحدها في المطبخ الصغير وأسندت رأسها على الطاولة وبكت.
لم يكن بكاء ضعف
كان بكاء تعب طويل مكبوت مؤجل.
سمعها الاثنان.
تبادلا نظرة صامتة.
في تلك اللحظة اتخذا قرارا لا رجعة فيه
حياتهما لن تكون لهما وحدهما.
مرت السنوات الجامعية ببطء ثقيل.
نجاح تعب قلق انتظار.
ثم جاء يوم التخرج.
وقف رافي بزي التخرج يبحث بعينيه عنها وسط الحشود.
وحين رآها شعر أن كل حجر حمله وكل ليلة سهرها كانت واقفة أمامه الآن.
أما كيران فحين ارتدى المعطف الأبيض لأول مرة أمسك يدها أمام الجميع وقبلها دون خجل.
قال
هذا لك.
لم تستطع الرد.
بعد التخرج دخل رافي وكيران مرحلة جديدة لم يعرفاها من قبل
مرحلة المسؤولية الكاملة.
لم تعد الحياة تدور حول الامتحانات والدفاتر بل حول العمل والالتزامات وإثبات الذات في عالم لا يرحم.
كان رافي أول من بدأ العمل. التحق بشركة مقاولات صغيرة في مدينة قريبة. كان يستيقظ قبل الفجر يحمل حقيبته ويغادر بصمت حتى لا يوقظ أمه. في البداية لم
وضعه على الطاولة وقال
اليوم أنا من يشتري.
نظرت إليه كافيتا طويلا ولم تقل شيئا.
لكنها في تلك الليلة بكت ليس تعبا هذه المرة بل امتنانا.
أما كيران فبدأ عمله طبيبا متدربا في مستشفى حكومي. كان العمل شاقا المناوبات طويلة والمرضى كثر ومعظمهم فقراء. كان يرى في وجوههم وجوها عرفها في طفولته. وكلما عاد متعبا كانت كافيتا تعد له الطعام وتقول
تذكر أنت هنا لأنك تعرف معنى الألم.
مع مرور الوقت تحسنت أوضاعهما المادية شيئا فشيئا.
لم يتغير البيت ولم تتغير حياة كافيتا كثيرا. كانت ما تزال تستيقظ مبكرا وتعيش ببساطة وكأن شيئا لم يتبدل. لكنها كانت تلاحظ فرقا صغيرا
لم تعد تحسب النقود قبل نهاية الشهر.
لم تعد تخاف من المرض كما كانت.
ثم جاء اليوم الذي لم تكن مستعدة له نفسيا.
التقاعد.
عادت كافيتا إلى البيت في آخر يوم لها في المدرسة تحمل صندوقا صغيرا من أغراضها بعض الدفاتر القديمة صورة صف وسبورة صغيرة احتفظت بها للذكرى. جلست على الكرسي الخشبي في الفناء وشعرت بفراغ لم تعرفه من قبل.
قالت في نفسها
وماذا بعد
في الأيام الأولى شعرت أن البيت أوسع من اللازم وأن الوقت أطول من قدرتها على احتماله. لم تعد هناك حصص ولا سبورة ولا أصوات أطفال. فقط صمت.
كان رافي وكيران يلاحظان
وفي إحدى الأمسيات جلسا معها.
لم يكن الحديث مباشرا لكنه كان صادقا.
قال رافي
أمي لقد أعطيتنا عمرك.
وأضاف كيران
والآن جاء دورنا لكن ليس كما تتوقعين.
لم تفهم.
مرت أسابيع وبدأت تلاحظ تغيرا غريبا.
زيارات متكررة.
همسات.
اتصالات هاتفية تتوقف فجأة حين تدخل الغرفة.
وحين سألت كان الجواب دائما
ستعرفين قريبا.
ثم جاء ذلك اليوم.
عادا معا إلى البيت في وقت غير معتاد. كان الفناء نظيفا أكثر من اللازم وكانت هناك كراسي إضافية. شعرت أن شيئا كبيرا على وشك الحدوث لكنها لم تتخيل حجمه.
قال رافي
أمي نريدك أن تجلسي هنا.
جلست.
وجاء الناس واحدا تلو الآخر.
لم يكن تجمعا عاديا.
كان بداية فصل جديد.
لم تكن كافيتا تحب التجمعات الكبيرة لذلك أربكها المشهد.
البيت الصغير الذي اعتادت هدوءه امتلأ بالوجوه بالأصوات بالضحكات وبهمسات لا تفهمها. جلست على الكرسي في منتصف الفناء تنظر حولها بعينين متسائلتين وقلبها يخفق بخوف غامض.
كانت ترى زملاء قدامى من المدرسة جيرانا أقارب لم ترهم منذ سنوات وحتى بعض طلابها السابقين وقد كبروا. الجميع يبتسم لكن أحدا لا يشرح لها ما الذي يحدث.
اقترب منها رافي ووضع يده على كتفها.
قال بصوت منخفض
أمي فقط ثقي بنا.
جلست بصمت.
مرت الدقائق ببطء وكأن الزمن يتعمد اختبار صبرها. ثم بدأ أحد الجيران يتحدث عن رحلة طويلة وآخر عن امرأة لم تطلب شيئا لنفسها
رأت
متابعة القراءة