دخلت المطعم لتأكل بقايا الطعام… وخرجت منه بحياة جديدة

لمحة نيوز

ألا يعود. عن البيت الذي فقدته وعن الأبواب التي أغلقت في وجهي واحدة تلو الأخرى. عن الليالي التي قضيتها أعد الساعات حتى الفجر لا انتظارا لشيء بل هروبا من العتمة.
سألني عن المدرسة.
وأجبته بصدق موجع.
عن الثياب المتسخة التي حاولت إخفاءها بالانزواء في المقاعد الخلفية. عن نظرات المعلمين التي كانت تحمل حكما أكثر مما تحمل تعليما. عن زملاء لم يروا في سوى مادة للسخرية حتى صرت أفضل الجوع على الجلوس بينهم وأفضل الشارع على الإحراج اليومي.
استمع.
فقط استمع.
لم يقاطعني.
لم يبد رأيا.
لم يطلب توضيحا.
لم يحاول إصلاح قصتي بكلمات جاهزة.
ثم قال جملة واحدة لم تكن طويلة لكنها كانت فاصلة
أنت لا تحتاجين إلى شفقة. أنت تحتاجين إلى فرصة.
توقفت الكلمات في رأسي.
فرصة.
لم أسمعها موجهة إلي من قبل.
أخرج بطاقة صغيرة من جيبه وضعها أمامي وكأنه يضع احتمالا جديدا للحياة وقال
هذا مركز تأهيل. اذهبي غدا. لا تفكري كثيرا. فقط اذهبي.
نظرت إلى البطاقة طويلا كأنها قد تختفي إن رفعت عيني. سألته وأنا أكاد أبكي
لماذا تفعل هذا
ابتسم ابتسامة خفيفة لا تحمل بطولة ولا تفاخرا وقال
لأن أحدا فعل هذا
من أجلي حين كنت طفلا. وحان دوري الآن.
ذهبت في اليوم التالي.
ثم بقيت.
السنوات التي تلت لم تكن سهلة ولم تشبه القصص التي تروى عن الخلاص السريع أو التحولات المفاجئة. لم تكن معجزة ولم تأت دفعة واحدة. كانت سنوات ثقيلة بطيئة مليئة بالتعثر بالخطوات الصغيرة التي لا يلاحظها أحد وبالخوف الدائم من العودة إلى الصفر من أن يكون كل ما أعيشه مجرد هدنة مؤقتة مع القسوة.
لكنها رغم كل شيء كانت حقيقية.
تعلمت كيف أستيقظ في مكان آمن دون أن أفتح عيني مذعورة دون أن أعد الأبواب أو أتحقق من النوافذ دون أن أسأل نفسي أين سأنام مساء. تعلمت كيف أتناول الطعام دون أن أسابق الزمن دون أن أعد اللقم ودون أن أخبئ الخوف في جيبي مع آخر قطعة خبز. تعلمت كيف أرفع رأسي في الأماكن العامة كيف أسير بين الناس دون أن أتوقع نظرة احتقار في كل زاوية.
في البداية كان الأمان غريبا علي. كنت أستيقظ أحيانا في منتصف الليل فقط لأتأكد أن السرير ما زال تحت جسدي وأن الغرفة لم تختف. احتجت وقتا طويلا لأفهم أن الاستقرار لا يعني الغفلة وأن الراحة ليست فخا دائما.
تعلمت القراءة بلا ارتباك بعد أن كانت الكلمات تقفز
أمام عيني خوفا لا ضعفا. تعلمت الكتابة بلا خجل بلا شعور بأن صوتي أقل قيمة من غيره. تعلمت الطهي كفن كمساحة تعبير لا كوسيلة للبقاء فقط. في كل وصفة كنت أتعامل معها كنت أضع شيئا من نفسي كأنني أعيد ترميم ما انكسر في الداخل قطعة قطعة.
وتعلمت وهو الأصعب أن أعتني بنفسي.
أن أسأل نفسي عما أشعر به لا عما يجب أن أتحمله.
أن أسمي مشاعري بدل أن أدفنها.
أن أفهم أخيرا أن ما مررت به لم يكن ذنبي ولم يكن نتيجة نقص في بل نتيجة عالم قاس لا ينصف الضعفاء.
تعلمت أنني لست أقل من أحد.
وأن الفقر لا يلغي القيمة.
وأن الجوع لا يعرف الإنسان بل يكشف هشاشته وقوته أيضا.
اليوم أبلغ الثالثة والعشرين من عمري.
أقف في مطبخ المطعم نفسه الذي دخلته يوما خلسة وأنا أرتجف خوفا من أن يطرد جسدي قبل أن تطرد روحي.
لكنني الآن أدخل مرفوعة الرأس بخطوات ثابتة وبحضور لا أعتذر عنه.
زيي نظيف.
شعري مرتب.
يداي ثابتتان تعرفان ما تفعلان.
لم يعد المطبخ مكان نجاة فقط بل مكان انتماء. أعرف أصواته روائحه توقيتاته. أعرف كيف يبدأ الصباح فيه وكيف يهدأ في آخر الليل. أعرف أن هذا المكان شهد سقوط بدايتي وشهد أيضا نهوضي
البطيء.
وأحرص قبل أي شيء ألا يخرج أحد من هنا جائعا.
ليس لأنني مديرة المطبخ فقط
بل لأنني أعرف معنى أن يكون الجوع أكثر من فراغ في المعدة
أن يكون غيابا للاهتمام
وأن يكون صرخة لا يسمعها أحد لأنها خرجت من شخص اعتاد الناس تجاهله.
وحين يدخل أحدهم مترددا منكسر النظرة أعرفه فورا. أعرفه من وقفته عند الباب من تردده قبل الجلوس من عينيه اللتين تبحثان عن إذن غير منطوق. أضع الطبق أمامه لا بسرعة ولا بتردد وأقول بصوت هادئ
كل بهدوء. هنا لا يدان أحد. هنا نطعم.
ولا يزال الرجل يزور المكان من حين إلى آخر.
أحيانا يجلس بصمت يراقب دون تدخل.
وأحيانا يشاركني فنجان قهوة في نهاية الدوام دون أحاديث كبيرة.
قال لي مرة وهو ينظر إلى المطبخ
كنت أعلم أنك ستصلين بعيدا.
أجبته بابتسامة هادئة بلا مبالغة ولا امتنان زائد
أنت فتحت الباب أما الطريق فقد مشيته بالجوع.
ضحك بهدوء وقال
للجوع قوة. لا يدمر فقط بل يدفع.
وأنا أعرف ذلك الآن أكثر من أي وقت مضى.
فقد بدأت قصتي بين البقايا
بين الفتات والبرد والانتظار
لكنني اليوم لا أبحث عن طعام فقط.
أنا أطبخ الأمل
وأقدمه ساخنا
لكل من ظن يوما أنه غير
مرئي
ولكل من ظن أن الجوع نهاية
ولم يعرف بعد أنه أحيانا بداية الطريق.

تم نسخ الرابط