راهن مليونير على إذلال طفل… لكن الحصان اختار الحقيقة أمام الجميع!
كانت الشمس تهبط كحكم قاس فوق ضيعة إل دورادو. في الإسطبلات كان الهواء مشبعا برائحة التبن والعرق والجلد العتيق وكان العمال يروحون ويجيئون بعجلة من يدرك أن خطأ واحدا قد يكلفه يومه أو عمله. كل شيء هناك كان يسير على إيقاع رجل واحد إدواردو مونتيرو المالك المليونير الذي كان يمشي ببدلة أنيقة حتى حين بدا الحر كأنه يذيب الأرض.
كان مونتيرو يجوب الممرات كما لو كان يتفقد مملكته الخاصة. عيناه لا تنظران للفهم بل للحكم. الخيول الأصيلة كانت فخره كؤوسه الحية حيوانات جميلة باهظة الثمن مطيعة أو على الأقل هذا ما كان يتوقعه. غير أنه في عمق الإسطبل الرئيسي كان هناك حظيرة منفصلة أشبه بحد فاصل ينهار عنده النظام. هناك كان حصان أسود كلون الليل يضرب الأرض بغضب ويصهل بعنف ويرمق بنظرات كأنها تقول لن تمتلكني.
كانوا يسمونه العاصفة. لا من باب المصادفة بل لأنه كان حيوانا مهيبا قوي البنية لامع الجسد وفي عينيه ذكاء مظلم. كان مونتيرو قد اشتراه بثروة في مزاد حصري مقتنعا بأنه سيكون جوهرة مجموعته وبطل المستقبل الذي سيزيده بريقا أمام أصدقائه وخصومه. لكن العاصفة لم يسمح لأحد بلمسه. ثلاثة مروضين حاولوا. ثلاثة انتهوا على الأرض وكان آخرهم قد خرج بأضلاع مكسورة.
هل من
سأل مونتيرو رئيس العمال رامون دون أن يخفي نفاد صبره.
لا شيء يا سيدي
أجاب رامون وهو يخفض قبعته.
لا يسمح لأحد حتى بالاقتراب.
شد مونتيرو فكيه. لم يكن معتادا على الخسارة. منذ طفولته تعلم أن لكل شيء ثمنا وأن العالم ينحني أمام المال إذا دفع بقوة كافية. لكن هذا الحصان لم ينحن. وكان ذلك أكثر من كونه مشكلة إهانة.
فاستقدم أفضل مروض في المنطقة خواكين فيغا. رجل هادئ قوي بيدين تعلمتا الصبر ونظرة من أدرك أن الحيوان لا يقهر بل يفهم. جرب خواكين كل شيء خاطبه قدم له الطعام اقترب بحركات دائرية بطيئة انتظر ساعات طويلة دون أن يفعل شيئا كأن الصمت نفسه أداة. لكن العاصفة لم يتغير. لم يكن ما يسكنه خوفا بل ضغينة شيء قديم شيء مكسور.
هذا الحصان تعرض للإساءة
قال خواكين في اليوم الخامس والهزيمة واضحة على وجهه.
هو لا يكره بالغريزة بل بالذاكرة.
استشاط مونتيرو غضبا. كلمة ذاكرة حين تنسب إلى حيوان بدت له مجرد ذريعة. طرد خواكين دون أن يدفع له فلسا واحدا كأن إذلاله سيصلح كبرياءه المجروح. وفي تلك الليلة نفسها وهو يحتسي الويسكي والغضب عالق في صدره قرر أن يحول الفشل إلى عرض استعراضي.
في اليوم التالي جمع جميع العمال في الساحة الرئيسية. وبابتسامة متغطرسة أعلن
انتشر الخبر في القرى المجاورة. جاء رعاة وفرسان ومروضون رجال يعتقدون أن الشجاعة هي نفسها القوة. كل يوم كان يشهد سقوطا وإصابات وصراخا وغبارا. وكان مونتيرو يستمتع. يجلس مع أصدقائه الأثرياء والكأس في يده يضحك على ألم الآخرين كأنه ترفيه صنع خصيصا له. تحولت الحظيرة إلى سيرك وصار العاصفة وحش العرض.
وقبل انتهاء المهلة وفي صباح ملبد بالغيوم ظهر طفل عند بوابة الضيعة. نحيل حافي القدمين بثياب بالية يحمل عصا على كتفه مربوطة بلفافة صغيرة. كان في الثانية عشرة تقريبا وربما أقل. حاول الحراس طرده لكنه لم يتراجع.
جئت من أجل الرهان
قال بثبات لا يشبه عمره.
اقتادوه إلى مونتيرو كما يقاد مزاح حي. نظر إليه المليونير وانفجر ضاحكا.
أنت تريد امتطاء العاصفة
قال ساخرا.
هل تعلم أن رجالا أكبر منك بثلاث مرات خرجوا مصابين
نعم يا سيدي
أجاب الطفل دون أن يخفض عينيه.
اسمي ميغيل وقد جئت من بعيد لأحاول.
تحولت متعة مونتيرو إلى شيء أظلم. أن يسمح
أومأ ميغيل كأنه سبق أن قبل في حياته بما هو أقسى.
جمعوا الجميع. وفي غضون ساعات كانت الحظيرة محاطة بالحشود. اتخذ مونتيرو مكانه المميز والكأس في يده كأنها تاج. وحين فتح باب الإسطبل خرج العاصفة نافضا أنفاسه يثير سحب الغبار بعينين متقدتين وذيل كالسوط. حبس الناس أنفاسهم. مال مونتيرو إلى الأمام مترقبا أسرع وأقسى سقوط.
دخل ميغيل الحظيرة بلا تسرع. لم يحمل سرجا ولا لجاما ولا تلك الغطرسة التي يحملها من يظنون أن الترويض هو الأمر. وقف ساكنا يراقب كل حركة للحصان كأنه يقرأ لغة خفية. وحين ظن الجميع أنه سيتقدم فعل ما حير حتى أكثرهم خبرة جلس على الأرض المغبرة جانبا موليا العاصفة ظهره جزئيا.
عبس مونتيرو. همس الجمهور. الحصان وقد ارتبك لم يهاجم. دار في حلقات شم الهواء ضرب الأرض لكنه لم يندفع.
في الصمت المشدود بدأ ميغيل يتكلم كأنه يهمس
أنا أيضا أعرف معنى أن يؤذيك الآخرون
قال.
أعرف معنى ألا تثق بأحد لأنهم خانوا ثقتك.
توقف العاصفة. شيء في تلك النبرة لا القوة ولا الأمر بل الصدق جعله يتردد.
لم آت لأكسرك
تابع ميغيل.
لا أريد ترويضك بالقوة. أريد فقط أن تعلم